اخيراً اقترفت اثم الاجازة، واعتقدت بسذاجة انه يمكن لي أن أقطع حبل مشيمتي مع الكتابة اليومية، وأن أتفرغ لهذا ال"خليل قنديل" ولشطحاته التأملية، وتأملاته الجارحة في كل شيء، وأن أعاود ترتيب قراءاتي لكتب أقتنيتها منذ أمد بعيد وأن أستيقظ؛ كي أسترد صباحاتي التي فقدتها منذ أمد بعيد، تلك الصباحات المتوجة

بصوت فيروز، وبطعم التبغ والقهوة، وبذاك الخرس الجميل لصالة الاستقبال حيث أجلس كل صباح، تاركاً نظراتي تحدق في الأفق المتاح من النافذة وهي تريني المدى الشجري والعمراني. او أن أعاود النظر في اماكن ترددت عليها كثيراً، وشوارع أدمنتها خطواتي وباعة في وسط البلد صاروا يعرفون ملامحي واستطالة قامتي، أو أن اقترح أمكنة جديدة لي في عمّان، كأن أتجول في الهاشمي الشمالي هكذا بلا مناسبة، أو أن أغيب في أزقة مخيم الوحدات، أو أن اتمشى في اليادودة، أو ان ألهث بتعمد في طلوع المصدار.

أقول أخيراً اقترفت اثم الاجازة التي زادت عن اسبوعين، وأُسمي الاجازة اثماً لا لشيء سوى انني بقيت على رأس عملي الحبري الممتزج بطعم علقم المشاهدة الحثيثة لكل مايحدث حولي، وبقيت معلقا في ما يكتب في كل صحفنا المحلية والعربية والدولية، وزاد وضعي الانبطاحي في البيت وأنا أُحس ان روحي باتت ممغنطة بكل ما تبثه الفضائيات العربية وفي المتابعة اللاهثة لحراك الثورات العربية الطازجة في مصر وسوريا، وثورة ال "وول ستريت" وثورة جماهير الشعب الروسي على نتائج الانتخابات في روسيا وفكاهة تبادل الادوار بين بوتن وميدفيد، ومتابعة كل الكوارث الطبيعية والاعاصير التي صارت تعيد الانسان المعاصر الى مربع الهلع الاول

من الطبيعة.

كنت أعتقد اني وحينما أحصل على اجازة طويلة مثل هذه بانه سيتسنى لي ان أعتلي فوق كل الحالات وأحلق كطائر وأتمتع بتلك الخفة التي تعفيني من قسوة الوحشة في الترقب وتوقع الكارثة، وكل الحماقات التي يمكن أن تولدها "الفوضى الخلاقة" كما أرادتها الكاهنة السوداء؛ كوندليزا رايس في خلق الالتفاف على الثورات.

نعم، لقد اقترفت اثم الاجازة متناسياً انه لا يمكن لمواطن عربي ان يخلع رأسه قليلاً ويعلقه على مشجب النوم. في اوطان باتت تترجرج من هول القادم ومن الاغتسال من طبائع الاستبداد.

ما أحمقَني.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور