أذكر انه كان كل شيء في مكانه، البيت بقامته الحجرية المُكحلة وبوابته الخشبية والساحة والياسمينة التي كانت تنام على سور البيت وتلك الليمونة الشهرية المشاكسة والصبيانية في ثمارها، والدالية التي كانت تتحطب جذوعها عند كل خريف، واطلالة الأم بانهماكها اليومي، وضجتنا الصبيانية في ارجاء البيت وزحمة الجارات، وذاك التوقع الجميل للقدوم المباغت للضيوف والاقارب والأصدقاء، وتناوب أصوات الباعة على سلع طفولية.

ما الذي حدث؟

اذكر أن الأصدقاء كانوا حسب الطلب، حيث تلك الرفاقية النادرة الحدوث، وحيث تلك الأسرار التي كنا نتبادلها على عجل لتزيد الحميمية في العلاقة، وحيث كانت تلك الخطوات التي كانت تسبقنا للشوارع والأزقة وحتى الأسواق المعمرّة بالبضائع وبكل ما لذ وطاب، وحيث تلك الازدحامات التي كانت تجعل الناس وكأنهم جزء من الأمكنة بمطاعمها ومقاهيها وأسواقها ومسجدها الكبير بقبته الخضراء وبطيور السنونو التي كانت تبدو وكأنها تشارك المؤذن والمصلين ابتهالاتهم.

ما الذي حدث؟

أذكر انه كان لنا صبايا نعشقهن حتى الثمالة، ونحتال عليهن بأن نتلمس شعرنا كي يبادللننا الحركة ذاتها، وتلك الابتسامة التي تعني الموافقة على تبادل الحب والاعجاب بالايماءة، ولهفة المصافحة واللمس. نعم كان لنا عشيقات يضعن لنا رسائل غرامية في علبة أعواد الثقاب ويلقينها على قارعة الطريق كي نفك طلسم الحروف العاشقة والمرتبكة لنذهب بعد ذلك الى التحديق في الصوت الملتاع لعبد الحليم حافظ.

ما الذي يحدث؟

كان هناك زعماء وساسة وثوار وتنظيمات سرية وأقطاب دولية يزلزلون هذا الغنج السياسي السائد، ويمنحوننا بطولة وهمية تجعل أرواحنا تخفق مع ايقاع النشيد. كان هناك حروب وشهداء

وأوسمة ونياشين واستعرضات عسكرية وقادة يزلزلون الارض من تحت اقدامنا بالخطابات ووعد النصر، وكان هناك يقين الوحدة القادمة التي سوف تؤهلنا لحياة كريمة.

ما الذي يحدث؟

ما هذه العتمة القطبية التي استلت كل هذه الذاكرة منّا، وما هو كل هذا البرود الذي بات يتغلغل في اطرافنا ليلقي علينا كل هذا الكُساح؟

ما هذا اليُتم الحضاري الذي نعيش، وما معنى انزواء كل واحد منّا في جحره المقترح بهذه الحيادية المفجعة. ما معنى كل هذا؟؟ وعن جد ما الذي يحدث؟


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور