كانت الثورة الفلسطينية بريئة وطاهرة مثل كف طفل، وكان الفلسطينيون يرسلون شبابهم واشبالهم لتعلم الفقه الثوري في التحرير في معظم العواصم التي حققت ثوراتها الدولة ، وكان هناك معسكرات تدريب واسلحة وعمليات تعبر النهر وتقض مضاجع الكيان الصهيوني. وكانت هناك حلقات تنظيمية وكراسات توزع على المنضوين تحت علم هذه الثورة وكانت الأرض العربية حاضنة للثورة الفلسطينية في عمان ودمشق وبيروت وتونس، وكان النشيد الفلسطيني يجعل الجسد العربي يقشعر.

نعم كانت هناك ثورة وكانت هناك قيادات حقيقية تعمل ليل نهار على البرنامج الثوري الذي يقود للتحرير. قيادات تجعل العالم يحسب ألف حساب لهذه الرموز بسبب قدرتها على التكتيك السياسي والثوري واقتياد الثورة الى بر الأمان.

وكانت هناك ثورة ثرية جداً بما تأخذه من دعم من بعض الدول العربية ومن الشعب الفلسطيني ذاته الذي كان وما زال يعمل في دول الخليج، ويقال انه كان للثورة الفلسطينية استثمارات مالية في العديد من دول العالم.

لكن ما حدث بعد أوسلو وعودة الثوار الى أرض السلطة الفلسطينية تحت حلم قيام الدولة جعلت العديد من الثوار يخلعون الخاكي الذي كان يميزهم ويرتدون الملابس الأنيقة، وبدأت الامتيازات والمناصب تتوزع على هؤلاء الثوار، وصار هناك فساد

ان الفلسطينيين الذين قدموا كل هذا العدد الهائل من الشهداء والأسرى عبر عمر الثورة الذي يزيد عن الأربعين عاماً يقفون أمام العالم بارتباك حقيقي ودهشة ما بعدها دهشة، وهم يسمعون عن تشكيل هيئة لمكافحة الفساد وعن مطالبات فلسطينية لتجميد بعض الأرصدة المالية للعديد من رموز هذه الثورة في البنوك الفلسطينية والعربية والدولية.

ان الفلسطيني الذي راقب الفتى النحيل الذي خرج من فقر المخيم المدقع لينضم الى صفوف الثورة ومن ثم تحول بين يوم وليلة اعتقال الى رجل له من الأكتاف العريضة والأوداج ما يؤهلانه لتدخين السيجار الكوبي وارتداء أرقى الأزياء الباريسية وارتياد أغلى الفنادق العالمية وأجنحتها والتبجح الممجوج بالتصريحات حول المفاوضات وتعثرها الدائم.

هذا الفلسطيني الذي قدم الغالي والنفيس لهذه الثورة يقف امام العالم والحسرة تخنقه وهو يسأل أكان لا بد أن يحدث كل هذا؟؟

ويظل السؤال محلقاً في فضاء فساد بعض رموز الثورة بلا جواب.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور