كان المطر منفعلاً هذه المرّة، ومكثفاً في الهطل، الى الدرجة التي جعلتني أتذكر قول الكاتب الكولمبي في روايته "مائة عام من العزلة": " لقد أمطرت كما لو أنها لم تمطر من قرن".

نعم كان المطر هذه المرّة يبدو كما لو أنه يخلع قبعته الغيمية ويلقي على الجميع تحيته المائية المُشبعة بالبلل، وهو يمنح السماء ذاك اللون الرمادي الساكن الذي يهيج الروح ويأخذها نحو ذاكرة مطرية يصعب نسيانها. مطر أعادني أنا تحديداً لذاكرة المطر في ستينيات القرن الفائت حيث كان المطر يبدو أُمياً وهو يجرجر خلفه رعوداً مدوية ويضيء الفضاء الأرضي ببرقه الوهاج. وكان المطر وهو ينهمر في مدة متواصلة لما يزيد عن الاسبوعن يقدر على اعتقال الناس في بيوتهم، ليصبحوا أسرى للمدفأة، وتلك الحلقة الحميمية حولها، وذاك الهمس العائلي، المحمي بايقاع شقع المزاريب.

كان المطر هذه المرّة أمياً بامتياز، دون أن تصحبه تلك الضجة الاعلامية وبدون حراسة مراقب الاحوال الجوية وبدون تلك الاطلاله النحيلة لمذيعة النشرة الجوية، التي تبدو في العادة وكأنها تشخص مرضاً مطرياً على وشك الحدوث.

هذه المرّة استطاع المطر أن يجدد اوراق اعتماده في روحي، وأن يجعلني اتسمر امام النافذة أرقبه وهو يوزع بلله المائي على المباني الحجرية وعلى اسفلت الشارع والأرصفة والأشجار،

تاركاً تلك العتمة المحببة تلقي بظلها الجميل على الوجوه.

هذه المرّة فتحت بوابة داري ودعوت المطر الى مجالستي كي نتبادل التذكر بحسرة عن بيت العائلة والاصدقاء وذاك النوم المبكر الذي كان يحرس طفولتنا بايقاع ارتطام حبات المطر وايقاعها الساحر. نعم تحدثت مع المطر عن خسائر العمر وخسائر الروح، وكان ودوداً وهو يستمع لهمسي وشهقة تحسري على ايامه ولياليه المطرية الفائتة.

هذه المرّة غبت في عناق مع المطر، وتبللت روحي، بعد حالة يباس طويلة الأمد، وكنت أشعر بأن كل الكائنات تحرس هذا العناق وتباركه. وأن الشاعر العراقي بدر شاكر السياب حين صاح متسائلاً "أتدرين أي حزن يبعثه المطر؟" وقد كان السؤال السيابي الحائر يعني بالضبط هذه الحالة التي أعيشها في مجالسة المطر وجهاً لوجه.

هذه المرّة توجت المطر ملكاً على كل الفصول، وانسحبت ببطء الى فراشي وتدثرت بذاكرة مطرية لا تشيخ، وهي تدافع عن المطر الذي صدق وعده بالهطل أمام كل هذا اليباس. ووعد الخصب الدائم.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور