آخر الأخبار قبل أيام إعلان جهات تركية أنه تم إنهاء الاتفاق بين تركيا وإسرائيل لشراء تركيا طائرات عسكرية من دون طيار من إسرائيل.
ذلك الخبر يعيدنا إلى ذكاء القيادة التركية، التي تحظى اليوم بشعبية كبيرة في الوسط الشعبي العربي، ولديها أيضا علاقات رسمية ممتازة مع الدول العربية، وهي ايضا جزء من حلف الناتو، وايضا لديها علاقات متميزة مع اسرائيل، وهنالك تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة، وتربطها علاقات ممتازة مع واشنطن، وتسعى للحصول على الرضى الاوروبي من اجل الموافقة على إدخالها الاتحاد الاوروبي.
سلسلة من العلاقات، التي تبدو متناقضة لكنها في المحصلة، تمثل للقيادة التركية مصالح دولتها، لكنّ ما استطاعت القيادة التركية فعله عربيا أنها عملت باجتهاد مع المواطن العربي لإقناعه أنها قريبة من قضاياه. لهذا كان التنديد بالعدوان على غزة، وكان الموقف الإعلامي لأردوغان، عندما غادر القاعة في مؤتمر دافوس احتجاجا على كلام لشمعون بيريز، وكان موقفا لقي ترحيبا شعبيا عربيا، لكننا لم نسأل اردوغان في حينها، لماذا قبل بالجلوس مع رئيس كيان الاحتلال عندما كانت قواته تشن حربا على شعب غزة.
الذكاء التركي كبير، وما فعلته القيادة التركية أنها حافظت على كل علاقاتها ومصالحها مع أميركا وإسرائيل وأوروبا، وهي معادلات سياسية عسكرية، لكنها فتحت مسارا مستقلا حافظت من خلاله على مصالحها وروابطها مع العرب. وهي ايضا مصالح اقتصادية وسياسية.
تركيا بلد صناعي. لهذا وسعت الاسواق العربية امام منتجاتها، بل جعلت هذه التجارة لها أرضية سياسية. وتركيا بلد سياحي، لهذا كانت مبادرة لالغاء التأشيرات مع سورية والاردن، لانها تريد لسياحتها مزيدا من الانتشار في كل الأماكن.
ما نقوله لا يعني أن القيادة التركية، التي يقودها حزب إسلامي براغماتي، ليس لديها أي فكر او موقف إيجابي تجاه العرب وقضاياهم، لكن من الواضح أنها صنعت معادلة لم تتخلَ من خلالها عن تحالفاتها الاستراتيجية مع أميركا واسرائيل، ولا عن الجوهر العلماني للدولة التركية التي صنعها أتاتورك.
القيادة التركية الجديدة ذهبت خطوات سياسية واقتصادية نحو العرب، وأجادت تقديم نفسها للجمهور العربي عبر مواقف صادقة، مثل رفض العدوان على غزة وأخرى إعلامية مثل الانسحاب من لقاء بيريز، وأجادت الاقتراب من الشارع العربي لاحتلال مساحة فارغة تركها الضعف العربي، وهي مساحة تريد أميركا، وحتى بعض العرب، أن تحتلها تركيا لإضعاف الدور الإيراني المتزايد.
تركيا لم تحارب إسرائيل، بل احتفظت بعلاقاتها الاستراتيجية معها، وتحديدا في المجال العسكري، بل مارست دور الوسيط في المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وسورية، وأصبحت حالة شعبية عربيا وزادت من مصالحها الاقتصادية لدى العرب، وتسير نحو أوروبا باجتهاد، ولم تخرج عن هوية تركيا الأتاتوركية، بل وتحاول بجد أن تكون على علاقة مميزة مع إيران اقتصاديا وسياسيا، فكسبت الحلفاء التاريخيين في الغرب وإسرائيل وفتحت أمامها العالم العربي، وزادت على هذا بأن أصبح قادة تركيا رموزا في الشارع العربي.

المراجع

alghad.com

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية