انتهى مؤتمر بغداد الأسبوع الماضي بدون أية نتيجة تعني العراق. فمن المفترض أن هذا المؤتمر يخص الأمن والاستقرار في العراق وحضرته دول الجوار العراقي المتأثرة والمؤثرة في الوضع العراقي، بالإضافة إلى مصر وجامعة الدول العربية والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ولكن المؤتمر انتهى إلى لا شيء بالنسبة للعراق، وبالفعل فقس بيض بغداد في أماكن أخرى، وكأن المؤتمر لم يكن يختص بالشأن العراقي، بل بإذابة الجليد الذي يعبد الطريق بين طهران ودمشق باتجاه واشنطن وعواصم غربية أخرى، فقد كان الحدث في بغداد ولم يكن العراق في الحدث.
من الطرافة السياسية ما انطوت علية تصريحات رئيس الوزراء العراقي الذي قال فيها بأنه لن يسمح ان يكون العراق ساحة لتصفية حسابات الآخرين، ولم يكمل بان احد أوجه تصفية الحسابات يصاغ على شكل صفقات، قبل عدة أسابيع اشرنا بأن بيروت اليوم ليست كما وصفها المبدع الكبير محمود درويش ذات حرب تفاحة كبيرة، بل أصبحت في موازين السياسة الدولية والإقليمية ساحة صغيرة للعراك، وضاحية لتمارين الإحماء السياسي والعسكري، ويبدو اليوم بأن بغداد المعذبة بالموت المجاني اليومي ليست التفاحة الكبيرة أيضاً.
بعد ان انفض سامر مؤتمر بغداد تبدو اللغة السياسية الإقليمية آخذة في التنغيم من جديد على سموفنية توصيات لجنة (بيكر- هاملتون)، وليت الأمر يأخذ تلك التوصيات بمجملها، ولكن التركيز كله على مطلب واحد، وكأن جوهر الصراع يكمن في إجراء حوار أميركي مع هذا الطرف أو ذاك، والمفارقة التي تسوغ الفهم الموضوعي لهذه اللغة تبدو في ان الدول المتهمة بنفاذ حدودها للسلاح والرجال أو بالإسناد المالي والمذهبي تذعن راغبة لهذه اللغة أملاً بمكاسب على جبهات أخرى.
كل هذا الحراك لا يقدم ولا يؤخر في جوهر الوضع العراقي المعقد، ولا يخدم مصلحة عراقية صرفة، بل يغطي على علة العراق الأولى المتمثلة في الاحتلال ولن يسفر عن شيء أكثر من مناورات جديدة لإطالة عمر الاحتلال، المشكلة ان الرؤيتين الإقليميتين لإدارة الصراع حول العراق يغلفهما التناقض الزائف. فالرؤية الأولى تعلن صراحة عن مخاوفها من اليوم التالي للانسحاب الأميركي ومن فوضى عارمة وتدخلات إقليمية، وكأن ما يشهده العراق اليوم ليس بالسوء كله وبانتظاره أكثر من هذا السوء، وهذه الرؤية تكرر مخاوفها ولا تفعل شيئاً، بينما تعلن الرؤية الثانية عن رفضها لاستمرار الاحتلال وتمارس على الأرض تفاعلات في اغلبها تخدم استمرار الاحتلال وتبرر وجوده.
آخر الاقتراحات القادمة من الولايات المتحدة تدعو إلى فكرة ليست جديدة، بل تحت مسمى جديد "التقسيم الناعم" للعراق بمعنى اقرب إلى كيانات فوق فيدرالية مع بقاء هيكل الدولة، ويشير هذا المفهوم بشكل إجرائي إلى إنشاء حكومة عراقية مركزية شكلية أو ضعيفة مع إنشاء ثلاث أو أربع حكومات إقليمية قوية تجسد التقسيم السياسي الجغرافي الجاري خلال سنوات الاحتلال على قدم وساق على أساس عرقي وطائفي، ويتاح لهذه الكيانات تقاسم الثروة وبعض السلطة، على اعتبار ان هذا الحل عراقي بالدرجة الأولى جاء به الدستور الذي مرره عنوة "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" تحت سطوة حراب ميليشياته المسلحة وبصفقة معروفة مع التحالف الكردي، وعلى اعتبار ان هذه الفدرالية قائمة بالفعل ودليلها المجازر اليومية.
كل هذا الضجيج والحراك السياسي باسم العراق ومن اجل العراق وعلى ارض العراق لا يحدث من اجل العراق وللأسف النتائج غالباً ما تكذب المقدمات.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد