أعاد وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر قبل يومين التأكيد بأن حلم النصر الأميركي في العراق مستحيل، وان النصر بالمفهوم العسكري الاستراتيجي، أي السيطرة على كامل التراب العراقي، وإخضاع الشعب العراقي بكافة فئاته أيضا ضرب من ضروب المستحيل، وبينما تزداد الحرب تعقيدا تتهاوى أطروحات التنظير الاستراتيجي من بريجنسكي الى الجنرال الأخير قائد القيادة الوسطى العتيدة عن تفسير مصير الساحة العراقية التي سجلت في نهاية شهر آذار الماضي 1800 ضحية، وسط واحدة من اكبر عمليات التضليل التاريخي التي تخلط المقاومة بالعنف والفوضى بالحرب الأهلية.
النصر المستحيل جعل قتل الناس في العراق مهمة (تشبه سحق نملة)، حسب تعبير الجندي الأميركي "ستيفن غرين"، بطل جريمة اغتصاب المحمودية، والذي لم يكتف باغتصاب تلك الطفلة وبقتلها، بل وقتل ثلاثة من أقاربها في آذار من العام الماضي، بينما يأتي آذار هذا العام ليسجل واحدة من اكبر مشاهد القتل وبزيادة عن الشهر الذي سبقه قدرت بحوالي 15%، حسب رصد "مجموعة الأزمات الدولية" فيما يصر قائد خطة ما يسمى "فرض القانون" بأن خطته الأمنية تحقق أهدافها، وكأننا أمام تطبيق عملي للصيغة التي تقول بأن قصة المأزق الأميركي والقتل الأعمى هي جزء من استراتيجية الاحتلال وآلية تضليلية لإطالة عمره.
الجيوش الكبرى عبر التاريخ، في أوقات النصر والهزيمة، وحينما تمارس الاحتلال أو تناضل في سبيل التحرير تبقى تحافظ على الحد الأدنى من القيم والأبعاد الأخلاقية المعلنة في عقيدتها القتالية، فما بالك في الجيش الذي يحرس قيم الحضارة الإنسانية المعاصرة، بعد خمسة آلاف عام على اختراع الكتابة وعشرة آلاف عام من التابو والمحرمات، وفي البلاد التي أنجزت أول منظومات القوانين والشرائع دفاعاً عن آدامية الإنسان وكرامته، بعد هذا كله يمارس هذا الجيش المحمل بيناشين النصر وأناشيد الفخار كل هذا التضليل باسم النصر، وكأنه يحرس هذه المجزرة اليومية البشعة، أو على تعبير الرئيس الفرنسي قبل عدة شهور "إننا فتحنا في العراق أبواب جهنم وإننا عاجزون عن إغلاقها".
كان أمام الأميركيين بعد ان وقع الاحتلال وحصل ما حصل، وبغض النظر عن الموقف من الاحتلال، فرصة تاريخية لتحقيق مصالحهم وإنقاذ المنطقة على غرار ما دشنت من ديمقراطيات مهمة في اليابان وألمانيا قبل أكثر من نصف قرن، لكنهم فشلوا حتى في إدارة الحياة اليومية للعراقيين كما يفشلون في العملية السياسية التي سلموها لرجال دين وحولوا العراق إلى دولة بائسة تتقاتل فيها الطوائف والملل ويغيب عنها مفهوما الوطن والدولة.
بعد مرور أربع سنوات على احتلال العراق يزداد يوماً بعد يوم غموض مستقبل الدولة العراقية في ضوء تطورات متلاحقة على الأرض وتناقض يزداد اتساعاً في الرؤى والمواقف، فما تزال أقطاب إدارة عجلة السياسة العراقية الجديدة غير قادرة على البت بمدى جدية استمرارها في العملية السياسية الراهنة في بلاد كل ما فيها يتمزق ويقتل ويفنى بأعصاب سياسية باردة، وما تزال إدارة الاحتلال تبحث عن استراتيجية النصر وسط كل هذا الخراب. 
كان المرشح الأسبق للانتخابات الأميركية (ليندون لاروش) يحذر من فكرة تسعى إليها الإدارات الأميركية بتحويل المناطق الغنية بالثروات الطبيعية والمعدنية إلى مناطق غير مأهولة، وهذه الفكرة أساسا تم تكريسها باعتبارها استراتيجية أمن قومي أميركي من قبل مستشار الأمن القومي هنري كيسنجر، في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، وظهر ذلك في دراسة أعدها الأول وتم اعتمادها في عام 1974م، حيث افترضت أن النمو السكاني في بعض دول العالم النامية ذات الثروات والموارد الكبيرة يعد تهديداً للأمن القومي الأميركي لان تزايد أعداد السكان في تلك البلاد سيؤدي إلى استهلاك الثروات الطبيعية والسلع الاستراتيجية وفي مقدمتها النفط، ما يعني تهديداً للمصالح الأميركية المدمنة على تلك الثروات، لذا يرى (لاروش) أن هدف المحافظين الجدد في العراق أو غيره ليس إخضاع مناطق معينة كمستعمرات، بل إزالة جميع المعوقات الحالية والمستقبلية وعلى مدى لا يقل عن قرن لضمان النهب الحر للثروات وليس مجرد فتح أراض جديدة، بل إزالة كل بقايا السيادة القومية وتقليص عدد السكان من البشر وتفريغ البلاد من الناس او ابادتهم بآلتها العسكرية او ان يفنوا بعضهم بعضا، ولا فرق، وربما هذا ما قصده كيسنجر قبل يومين في مقولة البحث عن النصر المستحيل.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد