شهدت العاصمة الصومالية نهاية الأسبوع الماضي وبالتزامن مع انتهاء القمة العربية الأخيرة في الرياض مواجهات عنيفة بين قوات الاحتلال الإثيوبي والحكومة الانتقالية من جهة، ومجموعات متعددة من المقاتلين الذين يمثلون بقايا المحاكم الإسلامية وجماعات محلية وقبلية أخرى تقاوم الاحتلال الإثيوبي وتبحث عن حصة في اقتسام السلطة يطلق عليهم الإعلام الدولي اسم المسلحين، دون ان يلحق بهم أي صفة أخرى!
موجة العنف الجديدة التي لم تشهد البلاد الممزقة لها مثيلا في شدتها منذ أكثر من 15 سنة، جاءت في الأصل على خلفية قيام الجيش الإثيوبي بهجوم بري وجوي تمت مواجهته بمقاومة عنيفة غير متوقعة منذ التقهقر المذل الذي استسلمت خلاله قوات المحاكم الإسلامية قبل ثلاثة شهور أمام زحف الجيش الإثيوبي وقوات الحكومة الانتقالية.
من الواضح ان هذا التصعيد المفتوح على احتمالات عديدة، أهمها ان القرن الإفريقي بفضائيه العربي والإفريقي ينتظر جولة نطح وصدام جديدة، تقرأ مؤشراتها في تناقض المواقف الدولية والتقارير الأمنية التي تشير الى اشتباك مصالح يدير خارطة الصراع ويترقب الفرص المتاحة، حيث تزدحم القنوات السرية بالمساعدات والدعم للجماعات المتصارعة ومن مصادر متناقضة ومتعددة، كما انه من الواضح ان موجة التصعيد الراهنة محاولة يسعى كل طرف من خلالها لإيقاع الخسائر بالخصم لتحسين شروطه التفاوضية في ضوء بدء حركة مجموعة الاتصال الدولية ومؤتمر المصالحة الوطنية المنتظر في السادس عشر من الشهر الحالي، وإذا ما صارت الأمور نحو الحسم لصالح التحالف الإثيوبي فإننا سنكون حتما أمام علامة فارقة في ترسيم الخرائط الجديدة للمنطقة التي ما نزال في العالم العربي نرفض الانتباه إليها وقراءتها.
خلال السنوات الماضية تراجع الحضور العربي في المشهد الصومالي بينما نمت بشكل واضح مؤثرات إقليمية ودولية واسعة، ولم يعد الرأي العام العربي معنياً بتفاصيل الصراع الصومالي، وتنحصر معرفته في أحوال الصومال وكوارثه بالموز الصومالي وبالتندر من الأحوال القاسية التي تشهدها البلاد المقسمة التي غابت عنها الدولة والسلطة منذ ما يقارب العقدين.
لاحظنا كيف نمت الأدوار الدولية المغلفة بالأدوار الإقليمية، حيث تنتشر القواعد العسكرية والحضور العسكري الأميركي والفرنسي والألماني في محيط القرن الإفريقي الى جانب التغلغل الإسرائيلي في واحدة من أكثر العقد الجغرافية العالمية خطورة وأهمية وقلقاً، في الوقت الذي فشلت فيه مبادرات المصالحة الوطنية كافة، وعلى رأسها مبادرات منظمة الإيجاد التي لعبتت فيها كينيا الدور الحاسم، في التفاعل السياسي مع القوى المحلية المتصارعة ودول الجوار إثيوبيا وجيبوتي.
السؤال المهم في هذه المرحلة: الى أين ستقود التفاعلات الراهنة المشهد الصومالي المزدحم بالتنافس الدولي وبالترقب إذا ما علمنا أن العراك السياسي الذي كان يعقب كل موجة عنف منذ عام 1992 يقود إلى عزل الصومال عن الفضاء العربي استراتيجياً وثقافياً. ولعل أهم ملامح هذه الوقائع إدراج مواد في مشروع الميثاق الانتقالي تعمل على طمس الهوية العربية والإسلامية للصومال والتقليل من أهمية اللغة العربية، وضرب النظام التعليمي الذي أسهم فيه أجيال من المعلمين العرب، والتحدي الثاني ضرب وحدة البلاد وتحويلها إلى دويلات يسهل السيطرة عليها بما يخل بالتوازن الإقليمي في المنطقة مع تزايد النشاط الإسرائيلي وتغلغله في عمق القرن الإفريقي.
بالتأكيد هناك مؤشرات ثقافية واجتماعية تجعل من الصومال المعاصر أكثر قرباً للفضاء الإفريقي من كونه دولة عربية افريقية، لكن هذه الدلالات لا تقلل من الأهمية الاستراتيجية البالغة للمصالح العربية التي تشترك فيها الدول العربية المطلة على البحر الأحمر كافة، وهذه المصالح الاستراتيجية تعد من المصالح الكامنة التي قد لا تبدو أهميتها ظاهرة في كل وقت. لكن فقدانها يعد خسارة وانكشافاً امنياً خطيراً، فالصومال تقف على بوابة البحر الأحمر ومدخله الجنوبي وهي بذلك نقطة الحراسة الأولى للتجارة العالمية المارة بين الشرقين الأوسط والأقصى، والنافذة إلى أوروبا والغرب عبر قناة السويس، ونقطة حرجة في ضمان أمن الطاقة وحركة خطوط نقل النفط.
لا يمكن النظر لما يجري في الصومال بمعزل عما يجري في دارفور وجنوب السودان وتشاد وشرق أفريقيا، حيث يذهب البعض للاكتفاء بالتفسير الإعلامي الذي يضع أحمال هذه الصراعات كلها على عاتق ما يسمى بالمخطط الأميركي في الحرب ضد الإرهاب، دون النظر إلى ان هذه الصراعات جزء من تناقض الاستراتيجيات الدولية وتنافسها على ما تتيحه أفريقيا من فرص جديدة؛ ومحركها الأول الصراع حول الطاقة وضمان أمنها؛ كان ذلك في المناطق المكتشف فيها النفط أو الأخرى التي توعدها الدراسات بأن تدخل قريباً خارطة المنتجين أو لأهميتها على امتداد خطوط النقل.
مستوى آخر من السيولة الاستراتيجية يبدو في التصور الذي يمكن ان نصف به مواقف بعض الدول العربية من المحاكم الإسلامية في الصومال مقابل الحكومة المؤقتة حليفة إثيوبيا والساحة الخلفية لإسرائيل؛ فالخصومة السياسية مع المحاكم لا ترتقي لمستوى العداء المحتمل في إثيوبيا أو العداء الكامن في إسرائيل، الغريب ان الخرائط تتبدل أسرع من تبدل المفاهيم.
الصومال؛ بلاد بونت التاريخية التي ترتع بها الغزلان وتجري فيها انهار من العسل وتشد الفرعونية المصرية حتشسبوت الرحال إليها وصفتها المدونات المصرية القديمة بأنها جنة الله على الأرض، هذه الأرض القديمة الواقعة على خاصرة أفريقيا وسط العالم دفعت ثمن موقعها الحساس مرات عديدة في التاريخ المعاصر استعماراً متعدد الأطراف؛ وتخلفاً وتمزقاً ومجاعات وحروبا أهلية، وها هي تنتظر ان تدفع الثمن مرات أخرى.
لا أحد يعرف على وجه الدقة الخلفيات الحقيقية لتطور الدراما الصومالية وعودتها إلى واجهة الأحداث، لكن لن تكون مفاجأة لو اكتشفنا بعد حين أن الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى كانت صديقة الجميع وتدعم من دون تفرقة فرقاء السياسة وعسكرها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد