لا شيء تغير، مرت الذكرى الرابعة لاحتلال بغداد، بالمزيد من فواجع الموت المجاني في مدينة أصبحت مقبرة كبرى للموتى والأحياء، بينما لا مناسبة أفضل من هذه المناسبة أمام إدارة الاحتلال للإعلان رسميا عن فشل خطتها الأمنية التي حملت اسم المدينة، فالكلام الكثير عن السياسة من دون سياسة آن له أن يتوقف، آن الوقت لاقناع العالم بأكبر عملية خداع وتضليل سياسي واستراتيجي تمارس لاطالة عمر الاحتلال.
كان حجم الحزن المنبعث من صوت شاب عراقي تحاوره محطة تلفزيونية أكبر من فصول المأساة والحزن في ملاحم بابل القديمة؛ كان الموقف يذهب بعيدا في تناقضات التاريخ وأحواله وفي خواتم الأحداث ومآلها، الشاب العراقي الذي لم يتجاوز العقد الثالث من عمره يطالب وبرغبة البكاء القاسية بعودة بغداده، التي عرفها وعودة شوارعها إليها، وعودة الناس آمنين إلى بواباتها وجسورها وحاراتها القديمة إلى مقاهيها وليلها الآمن، وكأنه يتحدث عن خبرة عمرها ثلاثة آلاف سنة لا ثلاثة عقود من العمر.
في التاسع من نيسان وسط ترقب مئات الملايين أمام الشاشات عبرت الدبابة الأميركية الشهيرة الجسر فوق مياه النهر إلى الضفة الأخرى دون أن يطلق عليها رصاصة واحدة، ومع انقضاء نهار ذلك اليوم بات الحديث عن معركة بغداد وعن الجيوش التي تحرسها والخدع المنتظرة والفيالق التي ستخرج من بطن الأرض، حديثا من محض الخيال ينفض الغبار عن حكمة قديمة جديدة في ردهات بيت الحكمة حيث لا يتعلم العرب بأن الاستبداد وحكم النار والقيد لا يحمي الأوطان.
السنوات الأربع التي قضتها هذه المدينة المعذبة لم تكن أبدا بردا وسلاما لا على المحتلين ولا على أهلها، ولم تكن شوارعها وحواريها منثورة بالورد باستقبال الفاتحين الجدد، كما كان رئيس حزب المؤتمر العتيد يمني القادة الأميركيين، صحيح أن ولدا عراقيا خلع نعله أمام عشرات الكاميرات وضرب به رأس الرئيس المهيب؛ القصة لا تختصر بتبديل الكراسي والولاءات، فالسنوات الأربع الماضية أثبتت أن ربيع بغداد مايزال بعيد المنال، بعد ما تحولت هذه المدينة إلى اكبر مكان في العالم يسكنه الخوف والهلع والرعب، حيث لا زمان للموت ولا مكان للقتل، وكلاهما على موعد مع موت آخر محقق.
بالفعل تترك الأمكنة ملامحها على وجوه الناس، وتكون الكثير من أحوال الشعوب ومصائرهم، ويمكن قراءة ذلك ببساطة في أحوال (مدن الثغور) في حالتنا العربية، ففي الوقت الذي زحفت فيه جيوش الولايات المتحدة وعسكر الإنجليز صوب الشرق الأوسط  كانت الجغرافيا السياسية هي الهاجس الحقيقي لقادة الحرب، حيث من بغداد يمكن أن يحكم العالم الجديد، في الجغرافيا السياسية التقليدية كان (السير ماكندر) يحرص على التأكيد بأنه في كل عصر هناك مكان يشكل قلب العالم وإذا ما تحقق لإحدى القوى العظمى أن تبسط عليه نفوذها فإنها تحكم العالم من خلاله، بمعنى أنها تقود (المحور الجغرافي للتاريخ)، والمقولة ذاتها يمكن أن تعاد قراءتها اليوم بتأن على ضفاف دجلة والفرات، حيث الحرب التي لا نهاية واضحة لها، والمهمة العاجلة التي أصبحت مستحيلة. 
ما الذي تغير في بغداد، يصف الصحافي البريطاني (باتريك كوكبرن) وجه بغداد بأنه قد تغير بالفعل، ولم تعد ملامحها المعروفة تدل عليها لا أبوابها التاريخية ولا أسوارها العباسية، الدمار والخراب في كل مكان، وكتل (الكونكريت) التي تبدو مثل شواهد مقابر رمادية التي أقيمت لصد هجمات السيارات المفخخة هي أهم ملامح بغداد الجديدة.
باتت بغداد وكأنها مقبرة كبرى رمزا للعهد الجديد، بينما يقبع الأميركيون والبريطانيون خلف كتل اسمنتية عالية وسميكة تسمى المنطقة الخضراء، الرحلة من الرصافة إلى الكرخ على الضفة الغربية من دجلة بحثا عن قبر زبيدة زوجة الرشيد بمثابة رحلة للبحث عن قبر لمن يسلكها، بينما لن تغيب عن الذاكرة مشاهد تمثال الخليفة المنصور مؤسس بغداد، وقد اقتلع من جذوره وألقي وسط أكوام مخلفات الحرب، لم تختم هذه الأعمال مسار التخريب والتدمير الذي لحق ببغداد التاريخية، وستبقى البشرية تتذكر اكبر وأضخم عملية سطو على آثار أمة ومخلفاتها التاريخية، ولكنها ماتزال صامتة أمام اكبر عمليات قتل وذبح مجاني من دون ثمن.
كل ذلك كلام قديم نكرره كلما اقتربت الليالي العشر الأوائل من نيسان في كل عام، الجديد وحده يكمن في مدى الاقتراب من كشف حجم الخداع والتضليل في هذه الحرب.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد