التقديم الذي وضعه الملك لكتابه، والذي نشرته الصحف أمس الثلاثاء، نحب أن نقرأه نحن الأردنيين في سياق المرحلة التي نعيشها، بل وتعيشها أمتنا. والكتاب الذي يتحدث عن عملية السلام، ربط في التقديم بين السلام وكل ما نعيش، لأننا جميعا على قناعة أن الاحتلال الصهيوني وكل ما يجري على صعيد القضية الفلسطينية ترك آثارا سلبية ليس فقط على الشعب الفلسطيني، بل على كل الأمة، بل والمنطقة واستقرارها.
ونحن في زحمة الحديث عن الإصلاح، تستوقفنا فقرة في التقديم تحمل تلخيصا للحالة الأردنية، حيث يقول جلالته: "فلقد كنا في الأردن أعلنا الإصلاح ضرورة حتمية، ومهدنا الطريق للمضي به خطوات جادة وملموسة، تثمر إصلاحات سياسية لن ينجح من دونها الإصلاح الاقتصادي الذي يشكل أولوية لانعكاسه المباشر على مستوى معيشة المواطنين. إلا أن المسيرة الإصلاحية التحديثية التطويرية تعثرت وتباطأت، فكانت ما إن تسير إلى الأمام خطوتين حتى تتراجع خطوة إلى الخلف نتيجة مقاومة القوى المتمسكة بالراهن، حرصا منها على مصالحها الخاصة حتى لو جاءت على حساب المصلحة العامة. من هنا تبرز الحاجة لتلاقي القوى الإصلاحية على طرح إصلاحي برامجي، يُحيّد في ثباته وتصميمه القوى التي تصر على العيش في الماضي وترفض أن ترى متطلبات العصر وشروط النجاح فيه".
وهنا نحن لا نمارس مديحا لكتاب حمل رؤية الملك، لكننا نتحدث عن قضية وطنية تشغلنا جميعا. وهذا التشخيص قدم تفسيرا لتعثر مسيرة الإصلاح، لكنه يحمل في ثناياه تعريفات يجب أن نتفق حولها. فالإصلاح ليس فقط مجموعة تشريعات، لكنه تغيير في نمط الحياة السياسية والاجتماعية نحو الأفضل، ووفق فهم لمتطلبات ما يجري حولنا. والإصلاح ليس وجها آخر للانتهازية أو طريقا لمكاسب سياسية للبعض في داخل السلطة أو خارجها. وليس الإصلاح إعادة توزيع النفوذ بين فئة جديدة كان بعضها محروما، لكن الإصلاح نقيض للانتهازية وحرب على الفساد بكل أشكاله ومستوياته، وليس فقط في مؤسسات الدولة بل في كل مجالات الحياة؛ فالفساد المرفوض ليس فسادا في حكومات، بل فساد في كل مؤسسات الدولة وفي كل القطاعات العامة والخاصة ومؤسسات المجتمع المدني.
وإذا كان من معيقات الإصلاح التي أشار إليها الملك في مقدمة كتابه وجود فئة متمسكة بالراهن تقاوم الإصلاح حرصا على مصالحها، فإن الإصلاح الحقيقي لا يعني تشكيل فئة جديدة يصبح الراهن المقبل مصلحة لها وترفض إصلاحه إذا ما دخله الفساد أو اقتضت المصلحة تغييره، لأن الإصلاح الحقيقي يعني صناعة نظام متكامل قادر على رفض الخطأ، وقادر على إصلاح أي خلل يدخل إليه، حتى ممن يدّعون أنهم يمثلون الإصلاح.
مرة أخرى، الإصلاح لا يدوم إلا بوجود إصلاحيين حقيقيين، والديمقراطية الحقيقية لا يحميها من يرون فيها حصان طروادة للسلطة. ومن أشار إليهم الملك بأنهم أعاقوا الإصلاح ليسوا فقط أعداء الإصلاح، بل الأخطر منهم مدعو الإصلاح وهو بالنسبة لهم وسيلة وليس هدفا.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية