من نافلة القول إن حق التعبير عن الآراء والمطالب من الحقوق الاساسية للمواطن تحت مظلة القانون والدستور، ومن الطبيعي في بعض المراحل ان يكون الخروج الى الشارع الوسيلة الوحيدة لرفع الصوت والتعبير عن المطالب، لكن عندما نتحدث عن الاصلاح فان جزءا من الاصلاح الشامل ان يكون من خلال الحوار وآليات عمل منتجة وان نؤسس لحالة حوار وتواصل دائمة نمارس من خلالها النقاش والتداول في كل القضايا، لان الحوار هو الطريق الديمقراطي المثمر، فهو يضمن لكل طرف ان يقدم ما لديه من مواقف وايضا ان يستمع الى الاخرين، وان تكون النهاية تقاربا او توافقا او في الحد الاقصى ممارسة الخلاف ضمن المسار الديمقراطي والحضاري.
من واجبنا جميعا ان نحرص على بناء تلك الحالة الايجابية من التواصل والحوار لان الخروج الى الشارع وسيلة مؤقتة واهدافها محددة، اما المسار الدائم فهو التواصل والحوار المباشر وتبادل الآراء والقناعات والسعي للوصول الى حلول لكل القضايا.
ومأسسة التواصل والحوار ليست خاصة بالقضايا السياسية فقط بل تشمل كل القضايا. وما يساعد على تحقيق هذا وجود هيئات تمثيلية للناس في كافة المجالات من نقابات وجمعيات واتحادات وقبل هذا وبعده السلطة الدستورية التمثيلية، وهي مجلس النواب، الذي يمكن أن يلعب دورا محوريا في التواصل، لانه يمثل الناس وليس غيرهم. كما يحتاج الامر الى قناعة وممارسة من أصحاب القرار بكل المستويات بضرورة فتح ابواب الحوار والاستماع الى الجهات التمثيلية او الناس، والحديث بشكل صريح وواضح مع الجميع. هذان العاملان يضمنان ممارسة دائمة بعيدا عن اللجوء الى خيارات تصعيدية يفترض ان تكون الاخيرة مثل الاعتصام او المسيرة او غيرهما.
اليوم وبعد اسابيع عديدة من المسيرات وعشرات الاعتصامات المطلبية والسياسية نحتاج ان نصل الى نهايات ايجابية ونتائج وتوافقات؛ فالصوت ارتفع والمطالب واضحة وايقاظ الحاجة الى خطوات عملية نحو الاصلاح ومحاربة الفساد وتلبية بعض المطالب لفئات من الناس والشعور بالمعاناة الاقتصادية والمعيشية قد تمت. اما الخطوة التالية فهي كيف نصل الى هذا وبخاصة بعد تشكيل لجنة للحوار برئاسة رئيس مجلس الأعيان وتحديدا في القضايا الكبرى.
وما نحتاجه في هذا المجال قضايا منها :
- أن يدرك كل طرف أن مطالبه ليست مقدسة وغير قابلة للنقاش، بل هي مطالب مشروعة لكن الحلول تتم بالحوار والتوافق.
- أن الوقت عامل مهم في تحقيق المطالب، فالاصلاح السياسي ليس قرارا تتحقق نتائجه مباشرة بل مسار وعملية متكاملة، والقياس الاولي للجدية وتوفر الإرادة السياسية والبدء بخطوات عملية. وهنا يفترض ان نتجاوز لغة التشكيك أو رفع السقف بعد كل استجابة.
- ان تحقيق الاصلاح مهمتنا جميعا، وهنالك معيقات يفرضها الواقع وضعف مؤسسات المجتمع المدني واخرى يفرضها غياب الاجماع، ما يفرض جهودا من الجميع.
- أما القضايا المطلبية التي تخص فئات من المواطنين فإن واجب الإدارات فتح الابواب للتواصل والاستماع والاستجابة لكل مطلب مشروع سواء كانت استجابة سريعة او عبر جدول زمني معلوم.
اليوم يمكن لأي شخص أن يقول ما يشاء وأن ينظم اعتصاما ومسيرة وأن يكتب ما يريد؛ لكن لنتذكر ان الانجاز هو الهدف وليس التعبير، والحوار والتوافق هما المدخل للانجاز، فلو نظمنا مئات المسيرات ولم نؤسس لبناء الإصلاح فإننا لن نصل الى ما نريد الا اذا كان النزول الى الشارع هو الهدف.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية