هنالك شعور حاد بالتراجع والخيبة وإحساس عميق بالكآبة في الحياة العامة العربية يزداد كل يوم عن الجرعات المعتادة كنبات شيطاني لا وطن له، وعكس ما نتوقع توجد أجوبة جاهزة كثيرة وتندر الأسئلة.
في نهاية القرن الثامن عشر كان الطالب الغربي يملك عدة وذخيرة عن العالم الإسلامي نحو (70) كتاباً حول اللغة العربية جرت طباعتها في أوروبا و(10) معاجم فارسية، (7) معاجم تركية، أما عن الوضع في الجهة الأخرى فلا شيء في العربية ولا شيء بالفارسية أو التركية، أما المعجم العربي الأول مع لغة أوروبية فيعود إلى سنة 1828م.
منذ استيقظ العرب على موتهم سادت المشاريع الطارئة للنهضة بالاتكاء على روابط هشة ومتعبة، ونوايا مؤجلة لأزمنة الآخرين تارة، وأزمنة الذات الماضية تارة أخرى، لا بد من استذكار الشعارات التي وضعها كل من قادة النهضة اليابانية، وقادة النهضة المصريّة، إذ تزامنا بالشروع في دخول التاريخ، فدخل اليابانيون التاريخ وخرج المصريون من الأبواب الأمامية. الإمبراطور الياباني (مايجى) كان شعاره الذي شيد على أساسه النهضة اليابانية (الحقوا الغرب وتجاوزوه) فيما حاول قائد مشروع النهضة المصريّة الطارئة تشييد مشروعه على شعار يقول: "مصر قطعة من أوروبا" الأول شيّد مشروعه على قدرات الذات وبناء علاقات ندية مع العالم تأخذ كما تعطي، وتتقدم نحو جذور الحداثة في تجربة الذات، بينما راح الآخر إلى بناء علاقات مريبة ونفي متواصل للكينونة، وغفلة دائمة عن القاعدة الاجتماعية الممعنة في الموات والفوات.
تكريس موقف ومنهج نقدي من كل تلك الأشكال المسبقة الجاهزة واثبات أنها ليست بديهية ولا مطلقة يبدأ بالأسئلة. إنها الدعوة إلى استباحة كل المساحات المحرمة وفتح أبوابها أمام النقد الخلاق والتحليل الاجتماعي للأفكار والناس والعلاقات والأشياء والسلطة بكل أشكالها؛ استئناف البدء يعني وقف الثرثرة الصامتة حول المقابر، ودحض الخيال الخرافي حول الذات والآخر أياً كان، والعثور على كلام نافع لا يأتي إلا بالأسئلة.
إن التاريخ يُفهم ويفتح ويغلق بالأسئلة التي يثيرها وليس بالأجوبة التي يقدمها، فقراءة التراث ليست لاستعادة الماضي، بل للبحث عن أدوات النقد فيه وتعظيم قيم الحداثة وجذورها؛ أي البحث عن جذر للحداثة يقلل من استناد مشروعنا الحداثي على أزمنة الآخرين، من أجل البحث عن شرعية في عالم لا طمأنينة فيه، الجذر الحداثي والمنهجية النقدية تعني التخلص من الحمولات الزائدة وإراحة الموتى بإعلان موتهم الأبدي، تعني إنقاذ الذات من التدمير الكلي، تعني استباحة كل أركان الماضي وتفتيتها وإخضاعها لقانون الانتخاب الطبيعي.
إن تطوير نظرية نقدية في المعرفة والمجتمع والتنمية من أول المهام العاجلة لتفعيل فعل الموت الذي ينجز الحياة، فالنقد يتطلب نضالاً طويلاً ومريراً مع الذات وضد الذات من اجل الذات؛ من أجل تحقيق قطيعة مزدوجة مع التراث والآخر قطيعة مع العبث والرداءة، قطيعة ليست مطلقة، بل قطيعة مع كل ما لا نحتاجه وليس ما نريده فثمة فرق. فهذا الضجيج المربك والفوضى العارمة ومشهد الاستشهاد اليومي للحياة العربية والانفعالات الحادة مصدرها الأساسي علاقات مشوشة مع الزمن والآخرين نسجت بفعل غياب الأسئلة.
ولكي تزاح الغشاوات عن عيون الناس وتسقط الأوهام الكبرى الشائعة التي تملأ وعيهم بالضجيج، لابد أن تتغير العدة والعتاد وان تشهر الأسئلة حول المسائل كافة، تلك الأسئلة التي تستبيح الأفكار العتيقة والجديدة معاً، كتب الملل والنحل والفرق والفلاسفة والمتصوفة المملؤة بالأيدولوجيا والخيال، التي تدعي جميعها امتلاك الحقيقة وتسويغ الوهم بالخلاص جميعها تحت مطرقة النقد، التفاسير وشروح التفاسير وشروح الشروح والتعليق على الشروح وتفاسير التفاسير، الفلسفات الأخرى، الأفكار البالية والأخرى اللامعة، والنصوص الجديدة التي أنجزها الآخرون حولنا؛ لا يمكن الاستفادة من كل ذلك من أجل بناء الحاضر إلا بالأسئلة، وإخضاع الجميع لقانون الانتخاب الطبيعي وإعلان القطيعة المزدوجة مع كل ما لا حاجة لنا به.
المعرفة النقدية تتأكد بتنمية الحس النقدي في الوعي العام، وهذا مرتبط دوماً بتنمية الشعور بالذات ولا تحمل هذه الثنائية التناقض المتوقع للوهلة الأولى، فالشعور بالذات هو المؤشر الأساسي لبناء الحس النقدي وتعميقه كي يدرك الناس إنهم لا يقفزون في الفراغ وأنهم لا يقتلون الآباء ولا يبنون أسواراً ضد الآخرين، بل كل ما يحتاجونه هو حياتهم أنفسهم وتاريخهم الذي ينتج بذواتهم.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد