انتهى مؤتمر شرم الشيخ الذي عقد تحت عنوان "البحث في مستقبل العراق" كما انتهى مؤتمر بغداد قبل شهر، وكما انتهت عشرات المؤتمرات والأحداث السياسية التي تعقد باسم العراق من دون نتيجة حقيقية تصب في تحريك الوضع العراقي المعقد، البلد المحتل والمثقل بتدخلات الجيران ونفوذهم وبحالة التمزق التي ترسمها الجثث اليومية اكثر من الخرائط يبدو انه بات يدخل في شيخوخة سياسية مبكرة مفادها عجز الحلول السياسية التي لا تقدم سوى المسكنات لمرض عضال.
رغم كل هذه التفاعلات السياسية، فمن الواضح انه كما حدث في مؤتمر بغداد الذي عقد حول الأمن والاستقرار في العراق تكرر الوضع نفسه في شرم الشيخ وتكرس الحدث الحقيقي حول إدارة لعبة الجيران مع الولايات المتحدة. فالعراق اصبح هو الاستراتيجية وكل يمارس تكتيكاته المفضلة فوق هذه الأرض المحترقة، والنتيجة المهمة تتجسد في مراقبة درجة حرارة الجليد هنا ودرجة حرارة الجمر هناك في علاقات الجيران واجندات مصالحهم مع الولايات المتحدة. من الواضح انه توجد رغبة أكيدة لدى الولايات المتحدة وكل من إيران وسورية على جعل العراق الورقة الكبرى المعلقة بينما يسعى كل منهم على المساومة على الرقعة الأوسع والأثمن من الملعب في سبيل تحقيق مكاسب في الأوراق الأخرى، أي أن الجميع لا يريدون أن يروا حلولا سريعة وواضحة وحاسمة في العراق، وهذه حقيقة يجب أن ينتبه لها العراقيون أنفسهم قبل غيرهم.
لعبة الجيران التي تمارسها الولايات والدول ذات النفوذ في العراق تقتضي أن كل طرف يعد ما حققه من تورط في العراق هو رأسماله السياسي الذي يجب ألا يخسره مرة واحدة، والا يغامر به مرة واحدة أيضا، فيما لا تقدم اللقاءات والتفاعلات السياسية حتى على الطريقة التي دعا اليها تقرير لجنة بيكر هاملتون الشهير حول التفاوض مع الجيران أية نتائج حقيقية أو حاسمة في الملفات العراقية، وهذا يفسر ما ذهب إليه مؤتمر شرم الشيخ الأخير من تعدد وتباعد في القضايا المطروحة، انهم يذهبون باسم العراق ويستمعون إلى كلام عاطفي ووعيد وتهديد من قبل مسؤولي الحكومة العراقية لا يعبر عن مضمون واقعي، بينما تنحصر التفاهمات في ملفات أخرى أحيانا تحت ذريعة اجتماعات الخبراء وأحيانا أخرى من دون ذريعة.
كل هذا الحراك لا يقدم ولا يؤخر في جوهر الوضع العراقي المعقد، ولا يخدم مصلحة عراقية صرفة، بل يغطي على علة العراق الأولى المتمثلة في الاحتلال واجندات الجيران، ولن يسفر عن شيء أكثر من مناورات جديدة لإطالة عمر الاحتلال. المشكلة أن الرؤيتين الإقليميتين لإدارة الصراع حول العراق يغلفهما التناقض الزائف، فالرؤية الأولى تعلن صراحة عن مخاوفها من اليوم التالي للانسحاب الأميركي ومن فوضى عارمة وتدخلات إقليمية، وكأن ما يشهده العراق اليوم ليس بالسوء كله، وبانتظاره أكثر من هذا السوء، وهذه الرؤية تكرر مخاوفها ولا تفعل شيئاً، بينما تعلن الرؤية الثانية عن رفضها لاستمرار الاحتلال وتمارس على الأرض تفاعلات في اغلبها تخدم استمرار الاحتلال وتبرر وجوده.
لا يوجد ما يدعو إلى تفاؤل جدي من وراء قصة "العهد الدولي لمساعدة العراق"؛ فهذه وثيقة مملوءة بالإنشاء السياسي والأمنيات حول مصالحة وطنية وتوافق بين الطوائف وتوزيع عادل لعائدات النفط، وتتحدث عن ازدهار اقتصادي وسط كل هذه الفوضى والخراب ما يجعلها إضافة لأرشيف ما كتب من وثائق حول العراق الجديد لا اكثر.
ستبقى هناك حاجة لهذا النمط من التفاعلات السياسية لأنها قادرة على ضخ المزيد من الطاقة في آليات إدارة لعبة الجيران مع الولايات المتحدة، ويكفي أن هذه التفاعلات تؤكد في كل مرة الاتفاق على الحد المطلوب من القواعد العامة للعبة، بينما يستمر الأداء الرديء للحكومة العراقية، وتزداد الحرب الطائفية قسوة ووحشة والكل يحطب من اجلها؛ سلوك سياسي رسمي طائفي وشركات أمن عملاقة يستأجرها جيش الاحتلال ونفوذ أمنى وتسليح، واحتلالات أخرى عبر الحدود.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد