على الرغم من ارتباط البحث العلمي في مجالات متعددة بالجوانب الأمنية إلا ان تاريخ العلوم الاجتماعية، وتحديداً علم الإنسان وعلم الاجتماع يمنحنا العديد من الأمثلة الواضحة التي تحمل أسماء رموز وآباء في مدارس العلوم الإنسانية والاجتماعية كلفوا بمهام على جبهات القتال أو مهام استطلاعية قبل دخول الجيوش، ومهام أخرى بعد انتهاء المعارك والحروب.
في هذه الأيام تختلف المناهج والأدوات ووسائل التمويل بعض الشيء، مع ان الأهداف في المجمل متقاربة؛ يمكن ان نراجع سير وخلفيات بعض القادة الأميركيين الذين ساهموا في الإعداد وفي إدارة الحرب على العراق وأفغانستان، ثم حجم التمويل وبرامج الزمالة التي حصلت عليها الجامعات العراقية خلال ثلاث سنوات مضت، ويمكن أيضا مراجعة طبيعة النشاط العلمي الذي يدور هنا وهناك حول دارفور، وكذلك على حواف مصر والمشرق والخليج.
لقد اقترح "هانتغتون" في كتابه العتيد في أواسط التسعينيات ثلاثة بدائل للغرب لكي يتعامل من خلالها مع الصراعات التي سوف يفرضها عنف الثقافات، أولها عزل عدد من الدول وتهميشها، وثانياً العمل على تقريب بعض البلدان وإجبارها على تبني القيم ونظم المؤسسات الغربية، أما الخيار الثالث فيدعو إلى تحديث هذه المجتمعات والحفاظ على قيمها المحلية، ويبدو ان الخيارات الاستراتيجية للقوة العظمى قد رست على نبذ الخيار الأخير وتبني الخيارين الأول والثاني والتلويح دعائياً بالخيار الثالث، وهو ما يتفق مع سياسات الاحتلال والتدمير والحصار والتهميش والترويع.
خلال ست سنوات مضت تضاعف حجم المعرفة المتوفرة عن العالمين العربي والإسلامي لدى الغرب مرات متعددة. وللأسف لا يوظف هذا التراكم لردم فجوة الفهم، بل ما تزال معظم المؤشرات تدل على ان الأدوات تتغير لكن الأهداف باقية والأمثلة القادمة من التاريخ عديدة؛ فهذا (شارلز سلجيمان) أحد ابرز رواد الانثروبولوجيا البريطانيين كلفته الحكومة البريطانية بدراسة قبائل جنوب السودان واستمر في بحوثه من عام 1926-1930 وبعد وفاته أوكلت الحكومة هذه المهمة لأحد تلاميذه الذي سيغدو من ابرز العلماء في هذا المجال ودرس تلك المجتمعات ثم أوفد إلى مصر وأجرى سلسلة من البحوث وكافأته حكومته بوظيفة سياسية مرموقة.
أما (جون أميري) احد تلاميذ العالم البريطاني الشهير (رادكليف بروان) مؤسس المدرسة الوظيفية البنائية في الانثروبولوجيا، فلقد أوكلت إليه عدة مهام حول المجتمع الياباني، ومن أهم بحوثه (الأمة اليابانية المسح الاجتماعي، القرى اليابانية وأغاني الفلاحين اليابانيين)، وبعد احتلال الولايات المتحدة لليابان خلال الحرب العالمية الثانية نجد ان (اميري) يترك التدريس في الجامعات، ويلتحق بالقوات المسلحة الأميركية الموجودة هناك ليمدها بالمعلومات والبحوث والاستشارات.
وبالعودة الى اشهر آباء العلوم الاجتماعية (ادوارد تايلور) وصاحب ثلاثة من أمهات كتب هذا العلم، وهي "أبحاث في التاريخ القديم للجنس البشري 1865م"، وكتاب "الثقافـة البدائية: أبحاث في تطور الميثولوجيا والفلسفة والدين واللغة والفن والعادات1871م"، وكتاب "الانثروبولوجيا: مقدمة لدراسة الإنسان والحضارة"، فإننا أمام ما يدل على حساسية هذه العلم؛ فرغم أهمية هذه البحوث، فإن (تايلور) لم يكن باحثاً حقلياً، بل اعتمد على تقارير ضباط الجيوش المستعمرة والمبشرين والرحالة والمغامرين.
ان الموجة الجديدة من برامج البحوث العلمية ذات الصبغة والأهداف الأمنية تقف اليوم خلف حملات العلاقات العامة والحملات الإعلامية وإنشاء المحطات الإذاعية والفضائيات، ومشاريع التحديث والإصلاح السياسي، فالقوة العظمى اليوم بأمس الحاجة إلى بناء معرفة جديدة حول هذا الشرق قبل تغيره، المفارقة ان الموجة الجديدة لا تشمل القوة العظمى وحدها بل ثمة تنافس خفي محتدم على تعلم الشرق يكفي ملاحظة تضاعف أعداد الدارسين للغة العربية من الصينيين والروس وغيرهم في القاهرة ودمشق وغيرهما.
وهذا ما يشكل ساحات خلفية لمعارك غامضة قادمة سوف تدار بعقارب ساعات الطائرات والمدافع وشهوات الاستحواذ والهيمنة، لا يغيب عن المراقب للأحداث ان قصة صراع الثقافات بأبعادها الفكرية والسياسية والاستراتيجية قد تم حشرها في بداية مرحلة تحول في بنية النظام الدولي، ولكن بعد اكثر من عقد على إطلاق تلك النظرية أصبحت النتائج تصدق المقدمات، ليس لان التاريخ يسير بهذا الاتجاه، بل لان هناك إرادة لجره عنوة الى هذا الطريق.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد