تحدث تقرير صادر عن ديوان المحاسبة نهاية الأسبوع الماضي عن خمسة آلاف ليلة نيابية تمت خلالها زيارة أكثر من سبعين بلداً في العالم، قضاها السادة نواب الشعب خارج الوطن خلال عام، وفي نفس ذلك اليوم بث التلفزيون الأردني تقريراً من نوع آخر أعده ابراهيم الخريشة نقل بالصورة والكلمة أحوال مدرسة أردنية من عصر الكتاتيب في أواسط القرن التاسع عشر، حيث يتلقى تلاميذ البادية الجنوبية الأردنية دروسهم في خيمة مشرعة أبوابها للرمال ولهيب الصحراء، المهم أن المفارقة شعبية هذه المرة، حيث لم يحظ هؤلاء الطلبة بشرف ليلة نيابية واحدة لتفقد أحوالهم، بعد أن عز وصول الجهات الرسمية إليهم في الأصل.
مشهد الخيمة والتلاميذ الذين يتجاوز عددهم العشرين يحمل إشارات قوية تثير الألم وتدل على حجم المفارقة في عدالة التنمية، في الوقت الذي ترتفع فيه وتيرة الحديث عن إصلاح التعليم وعن الحاجة الى منظومة جديدة تُعنى بنوعية التعليم والمناهج والوسائل وإدخال التقنيات والتعليم الالكترونية واولويات تتفق مع انشغالات العصر، بينما ما يزال هؤلاء التلاميذ خارج العصر الأردني يصرون على الاصطفاف الصباحي وترديد الأناشيد الوطنية، والتسبيح بحمد الوطن وشكره على هذه النعمة.
مدرسة البادية الجنوبية التي لم يحدد التقرير التلفزيوني مكانها بالضبط شيدت بجهود تطوعية من قبل الأهالي، نظراً لحاجتهم لوجود مدرسة لأبنائهم واستقدموا إليها معلماً من إحدى الدول العربية الشقيقة، وبينما قدم التلفزيون هذه الصورة الإخبارية بقصد الإشادة بالمبادرة الشعبية، فان هذه المبادرة على ما تحمل من تقدير لجهود الأهالي فإنها أعادتنا أكثر من قرن الى الوراء، وتدعونا الى التوقف والمراجعة، وطرح عشرات الأسئلة لا تبدأ من عجز المؤسسات الرسمية والمؤسسات الرقابية وفي مقدمة هؤلاء واؤلئك أعضاء مجلس النواب ولجانه على الوصول الى الناس في مجتمعاتهم وبيئاتهم المحلية، حيث لا يشكل هذا المثال إلا حالة على سوء توزيع الموارد الوطنية، ولا تنتهي تلك الأسئلة عند المفارقة بين الوقائع والاستراتجيات والبرامج التي تحتل الفضاء التنموي الوطني بين عمان والبحر الميت وبالطبع لا تمر بالأغوار. 
بالمصادفة يتزامن تقرير التلفزيون مع تقرير مواسم السفر النيابي الطويل الى جهات العالم، بينما لم يصل أي من هؤلاء النواب الى هذا الجزء من المملكة، وربما هناك غيره الكثير، الأمر الذي يستدعي طرح مسألة الوظيفة الخدمية للنائب قبل المسألة الرقابية، ومدى تحقق كل منهما، ليس على مستوى المسائل الكبرى في السياسة والاقتصاد والخيارات الوطنية، بل في المسائل الخدماتية اليومية للنائب، فقد آن الوقت للتوقف عن الفصل بين السياسة وحياة الناس وأحوالهم اليومية.
من حق نواب الشعب أن يسافروا وأن يتنقلوا في أرجاء الدنيا، إذا كان ثمة قضية أو مصلحة وطنية في ذلك، ومن حقهم ان يمارسوا الدبلوماسية الشعبية باسم الأردن حيث تكون المصالح والدواعي واضحة وقوية، وقبل ذلك من حق الذين انتخبوهم أن يصل السادة النواب إليهم، وان يمارسوا باسمهم دبلوماسية السفر داخل الوطن من اجل الفقراء والمحرومين ومن اجل الخدمات، وهي القصة التي تم بناء صورة ذهنية سلبية حولها ويا ليتها قائمة بالفعل.
يبدو ان التنمية الوطنية سخية على الورق أكثر بكثير مما ينعكس على الواقع المعاش، فاستهداف الفقراء وعامة الناس بقي رهين الدراسات التي عادة ما تبقى رهينة الأدراج، وهنا يبدو مصدر الفجوة الأساسي في غياب فكر تنموي يجسر بين تنمية مناصرة للفقراء وعامة الناس وتصل اليهم في كل أماكنهم، وبين تنمية تسعى الى بناء مجتمع الرخاء. ولطالما تم تجاوز النمط الأول من التنمية تحت إغراء مقولات الرخاء؛ حيث لا تعمل هذه السياسات أكثر من دفع الحراك الاجتماعي السلبي، بمعنى أنها تصب في إفقار الأكثرية والحد من القدرات التنموية الوطنية بشكل عام، بينما يضيع الهدف الحقيقي المتمثل في حق الناس في حياة كريمة وعادلة في السجال حول اولويات لا تهمهم.
 
بقلم: د.باسم الطويسي​​​​​

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   د.باسم الطويسي   العلوم الاجتماعية   جريدة الغد