دخل الرئيس الفرنسي الجديد قصر الاليزيه يوم الأربعاء الماضي إيذانا ببدء القطيعة التي وعد بها، وكانت عنوان برنامجه الانتخابي، وعنوان هذه القطيعة المزيد من الاندماج في السياسات الأميركية، وربما نهاية آخر القلاع الأوروبية التي حاولت ان تشق سياسة شبه مستقلة عن سياق الهيمنة الأميركية.
قبل أكثر من عام وفي مشهد اقل درامية من القصة الفرنسية قدمت المستشارة الألمانية أوراق اعتمادها في العاصمة الأميركية، وخلال عام انقضى ازدادت اتهامات نواب البرلمان الأوروبي لزعماء دول الاتحاد برضوخهم للضغوط الأميركية وهيمنتها.
تدخل العلاقات الأميركية– الأوروبية مرحلة مساومات تبدو أنها خارج سياق الأحداث، ففي الوقت الذي كان الجميع يتحدث على التوسع البطيء للفجوة بين الطرفين في الرؤى السياسية باتت الأمور تأخذ أبعادا جديدة في المجالات الاقتصادية والرعاية الاجتماعية والتجاذبات الثقافية ما جعل الديمقراطيات الأوروبية تذوب واحدة تلو الأخرى في محلول الهيمنة الأميركية.
المشكلة الحقيقية في فهم وإدراك التبدلات والتحولات الراهنة في السياسة الخارجية على امتداد ضفتي الأطلسي، تبدو في عدم الاستقرار والغموض والاستعداد للمزيد من المساومات، ويكفي أن ننظر لموقع الشرق الأوسط في علاقات القوة بين أوروبا والولايات المتحدة وما نال قضاياه من تراجع وتقدم وتراض بفعل هذه الحالة من التردد، منذ (بيان البندقية) الذي أطلقه الأوروبيون حول حق تقرير المصير للفلسطينيين وحقهم في إقامة دولتهم المستقلة، مرورا بعذابات الرئيس الفلسطيني السابق وسط أيام الحصار، ووصولا إلى المشهد الفلسطيني الراهن وما يشوبه من فوضى وارتباك، وختاما بصدمة وصول حماس إلى السلطة والصمت حيال حكومة الوحدة الوطنية ومبادرة السلام العربية، في كل هذه الأحداث كان مبدأ المساومة هو صاحب الصوت الأعلى، وينسحب هذا الواقع على ملفات الشرق الأوسط الأخرى الراهنة؛ العراقي والإيراني واللبناني والسوري، وقصص الإصلاح وعمليات الدمطرقة الموعودة.
استراتيجية المساومات الجديدة، تجد بعض تفسيراتها لدى اتجاه أخذ ينمو في السنوات الثلاث الأخيرة في دوائر الدراسات الاستراتيجية، بعد عقد من الإغراق الإعلامي والأكاديمي حول التفوق والتفرد الأميركي، وهذا الاتجاه يدرك حجم القوة الأميركية جيدا، لكنه يدرك أيضا أن لهذه القوة حدودا، في الوقت الذي تزداد فيه مؤشرات بروز قوى جديدة أخرى، الأمر الذي فتح المجال أمام مساحة أوسع للمساومات الاستراتيجية المتبادلة وبحذر وريبة متبادلتين، فالقوة مثل الطبيعة تكره الفراغ. وهذا الواقع يعيدنا إلى ما كتبه (نيل فورغوسن) العام الماضي ونشر في مجلة السياسة الدولية، بأن الولايات المتحدة لا تخشى تراجع هيمنتها أو التحول في المجال الدولي إلى حالة من الفوضى، بقدر ما تخشاه من وصول العالم إلى حالة من التوازنات والحسابات الدقيقة التي تعني انعدام الهيمنة.
نلاحظ كيف تفعل استراتيجية المساومات فعلها في أكثر من مكان في العالم، لنأخذ على سبيل المثال الشراكة الأميركية– الصينية الهشة التي أدخلت التنين الصيني والنسر الأميركي في ربيع حذر بعد احداث أيلول/2001، فالمؤشرات حول التبادل الاقتصادي والسياسي المتزايد لا تؤكد وحدها الدخول نحو مرحلة شراكة حقيقية، فهناك اندفاع وإصرار أميركي على احتواء العملاق الصيني، في المقابل يبدو أن إدارة القرار السياسي الصيني والفكر السياسي الصيني أيضا أكثر حذرا وتمهلا في فتح الأبواب كافة أمام الأميركيين، مما يجعل الطرفين يسلكان الدرب الأقصر وهو المساومات المتبادلة. وعلى جبهة أميركا اللاتينية تجر مسبحة اليسار الجديد كل يوم دولة جديدة من ساحات الحديقة الخلفية لواشنطن.
يبقى الشرق الأوسط المكان الذي شهد ميلاد النظام الدولي الجديد على أراضيه، أكثر الساحات الدولية تهيئة لاستراتيجية المساومات الجديدة، لكن الكثير من المؤشرات والأحداث تذهب نحو ما يخشاه كثيرون بان المساومات الجارية الآن على شكل تنازلات متبادلة أو صفقات سياسية جريئة تأتي خارج التاريخ، بمعنى انها حلول آنية غير متكافئة ولن تأتي بالتالي بتسويات دائمة ومستقرة.
في وسط حالة الفراغ الاستراتيجي وحالة الضعف وغياب المناعة على المستوى العربي على أقل تقدير تبدو هذه الساحة بالفعل الأكثر ملاءمة لاستقطاب العالم حول الولايات المتحدة، وهو ما يذكرنا بالسلوك الاستراتيجي الذي سار فيه الأميركيون عشية حرب السويس حينما أطلقوا استراتيجية ملء الفراغ أو حلف الدفاع عن الشرق الأوسط، وان فشلت تلك الاستراتيجية في صيغتها الرسمية المعلنة، فلقد كانت هي مرجعية الصراع حول الشرق الأوسط طوال سنين الحرب الباردة.
التساؤل المطروح في هذا الوقت سوف يدور حول دور فرنسا الجديدة في المساومات القادمة وفي حرب السويس الجديدة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد