نعيش اليوم حالة محدودة لا يمكن أن نقول إنها مشكلة وحدة وطنية أو انقسام على أساس الجغرافيا، بل هي في جوهرها مشكلة سياسية تأخذ أحيانا بعض أشكال التعبيرات التي تفسر اقليميا لكنها في جوهرها ليست انقساما جغرافيا، واذا اردنا التفسير الاقرب فإن هنالك حالة توتر وخوف واستفزاز تعيشها فئات من الأردنيين من شتى الأصول والمنابت نتيجة ما يجري. وهنالك شعور لدى هذه الفئات أن هنالك دخولا إلى مناطق محظورة وخطوط حمراء لم تكن سابقا.
وكما أشرت في مقال سابق فإن جزءا من هذه الفئات مقتنعة أن هنالك خوفا على استقرار الأردن وأمنه وأمن الناس وحياتهم الطبيعية. وهناك من يعتقد أن المناداة بتخفيض صلاحيات الملك الدستورية وشعارات أخرى فيها تفكيك للدولة واضعاف لهويتها. وكل هذا يضاف إليه شعور لدى بعض الفئات أن الدولة تتعامل بضعف وتسترضي وتقدم تنازلات وأحيانا تقابل هذه التنازلات بإدارة الظهر.
ما سبق أمر لمسه كل من يقترب من الناس، وكما أشرت فالأمر ليس اقليميا أو جغرافيا في أصله وجوهره، بل تجده لدى فئات من كل المنابت والأصول. ولهذا نجد حماسا في بعض المناطق للخروج بمواكب أو مسيرات أو حتى برفع الهتافات من نوع مختلف، وأحيانا يؤدي الشعور بان الدولة تسترضي وتتعامل بتهاون إلى أن يمارس البعض محاولات لإظهار القوة في وجه من يعتقد أنهم يسببون ما يراه خطرا على الدولة.
ما نقوله تفسيرا لما جرى يضاف اليه أن لكل مجموعة طريقة بالتعبير؛ فالبعض قد يتحدث عن مخاوفه في مجلس أو في أسرته أو بين اصدقائه، وهنالك من يعبر من خلال لبس الشماغ  والبعض من خلال احتفال حماسي او الكتابة على سيارته ورفع العلم، والبعض قد يذهب الى اشكال عنيفة وممارسات لم نعتد عليها.
مرة اخرى فان تفسير ما يجري لا يعني القبول بأي خروج على القانون او استخدام أي سلوك يعكر صفو الحياة العامة، أو أن تتحول إشكال التعبير إلى مشاجرات ومطاردات في الشوارع؛ فكل هذا وإن كان لا ينطلق من مشكلة اقليمية إلا أنه إذا لم يتم التعامل معه بشكل علمي وجذري فقد يفتح الباب لأي حدث لا نريده.
العلاج الحقيقي لكل ما نخاف منه أن تعود الحياة الى ما كانت عليه من دون أي تصعيد أو توتر، وأن تكون لغتنا جميعا الحوار والتوافق من دون استقواء بلحظة طارئة أو حسابات غير دقيقة، وهذا حل سياسي يفترض من كل الأطراف المشاركة فيه، لأن ما نشتكي منه رد فعل سياسي، ومن يفعل هذا يعتقد انه يمارس حقه في التعبير مثل أي طرف.
أما ثاني الخطوات فهو ظهور الدولة أمام مواطنيها بشكل متماسك، ثم التعامل مع مخاوف الناس بشكل جاد وعبر التوعية وخطاب سياسي مقنع. إضافة الى الحزم في مواجهة كل من يمارس فعلا مخالفا أو يثير توترا أو يعطل حياة الناس. وكلما ذهبنا بخطوات ملموسة نحو الحوار الهادئ ونزع التصعيد من الشارع، هدأت الخواطر مع التأكيد على حق التعبير. علما بأن حق التعبير ليس حقا جزئيا بل لكل الأردنيين وبكل الأشكال القانونية.
وعي الأردنيين كبير، وحرصهم على وحدتهم الوطنية جزء من حرصهم على بلدهم؛ لكن المراحل غير العادية تحتاج إلى حصار لكل فعل حتى لو كان فرديا حتى لا يفتح الباب.

المراجع

alghad.com

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية