الخطاب السياسي الرائج هذه الأيام في شوارع غزة، مع ازدياد حدة الاقتتال الداخلي بين الفصائل الفلسطينية، يضع المزيد من الملح على الجرح الفلسطيني الغائر في الداخل، وأقسى ما يكون الجرح حينما ينزف في العمق، وفي الداخل الخرب. الخطاب السياسي الفلسطيني يوزع الاتهامات بين "حماس الصهيونية" و"فتح المتصهينة"؛ فالكلمات تتسابق مع الرصاص في القسوة كما في تشويه المشهد الفلسطيني، وفي معمدانية الهوان كما في الانتحار المجاني للقضية برصاص بنادق التحرير.
كل يتهم الآخر باغتصاب الشرعية والانقلاب على شرعية الآخر، والطرفان يتآمران على الشعب الفلسطيني وعلى ما تبقى من مصير ومستقبل له.
لا يمكن التصديق، بعد أحداث الأيام الأخيرة، بخرافة ما يسمى الفلتان الأمني؛ فهولاء المقاتلون الذين يتبادلون قصف غرف نوم القيادات التي تعودت ان تنفي علمها بما يحدث، ويمارسون تنفيذ حروب شوارع مدروسة، وكرّ ومناورات واحتلال مقار؛ هؤلاء ليسوا مجرد فلتان، وليسوا نبتاً شيطانياً ولا أشباح يأتون من المجهول، إنهم فصائل عسكرية تحارب بمراس، ولديها أجهزة للسيطرة والتحكم، إلا انها فقدت البوصلة وأضاعت قضيتها باختصار، وتنفذ بالقوة ما ينشر ويشاع في هذا الوقت عن تقاسم للجغرافيا المنهكة بالاحتلال والفقر، والمزدحمة ببنادق الآخرين.
بماذا يفسر حجم هذه الخسائر من الضحايا الأبرياء خلال ثلاثة أيام فقط؟ أقمنا الدنيا قبل سنوات وسنبقى على حق، حينما أقدمت إسرائيل بجبنها على قتل خمسة أو ستة من الفلسطينيين؛ واطلقنا على ذلك اليوم "يوم الأرض العربية" ونستذكره كل عام، فترى ماذا تريد القيادات الفلسطينية الفذة أن نطلق على هذه الأيام؟ وما الفرق بين الدماء الفلسطينية الطاهرة التي تسيل برصاص الاحتلال، وتلك التي تهدر بغدر الاخوة والرفاق؟
المشهد الرمادي الحالك لا يشير إلا نحو جهة واحدة سوف تبلور المصير الفلسطيني إلى عقد قادم في اقل تقدير: كانتون غزة المحتلة بإدارة أمنية داخلية تقودها حماس، وكانتون الضفة المحتلة بإدارة أمنية تقودها فتح، وخذ بعد ذلك من مسوغات الشرعية الدولية وحماية المدنيين لاستمرار الأحوال إلى ما يشاء الله، بينما يتحقق التقاسم الوظيفي للمهمة الأصعب، أي المهمة الأمنية، وفق سياقات قادمة من التفاهمات، كل على قياسه وباللغة التي يفهمها؛ وكأن الاتهامات التي تطلق في شوارع غزة اليوم تصدق على الجميع.
الحقيقة الوحيدة الواضحة هي القضية المهددة بالضياع وسط مساحات رمادية مغلقة بين فصيل فقد مراكز القوة في السلطة التشريعية بعد أن اتهم بالفساد السياسي والمالي والاسترخاء الوطني، ولا يريد ان يصدق ذلك، وبين فصيل آخر يريد أن يحرق خلفه سفن الديمقراطية التي جاءت به، ولا يريد أن يرى الحقائق السائدة في العالم من حوله.
وهذه ليست المرة الوحيدة للانشقاقات السياسية والدموية في الحركات الفلسطينية، فالصراعات الداخلية موجودة منذ ثورة القسام ومنذ قيادة الحسيني؛ لكنها المرة الوحيدة التي تسترخي فيها الفصائل للاجندة التاريخية الإسرائيلية بهذه الطريقة، بينما تكاد جميع حالات الصراع الداخلي تعود في جذورها إلى تدخل خارجي إقليمي، في حين مازالت الديمقراطية الفلسطينية محصلة تعددية أيديولوجية وسياسية، ولم تنضج ديمقراطية مؤسسات تستطيع مواجهة أزمات.
استطاع المواطنون الفلسطينيون تحمل السيناريو الأسوأ في الشهور الماضية على المستويات كافة في ظل إغلاق محكم وحصار منيع، بينما يواجه الاقتصاد المحلي الفلسطيني احتمالية انهيار واسع خلال الشهور القليلة المتبقية من هذا العام، ونذر استعار حرب أهلية موحشة واردة، كما أن مزيدا من التهجير وارد أيضا.
ترى هل تحمل الأيام الفلسطينية مفاجأة أخرى لا يتوقعها أحد؟ وهل يملك الداخل الفلسطيني حراثة ملعب فتح وحماس معا وتحطيم اللعبة المقدسة؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد