في تاريخ قرطاجة القديم يحكى أن الملك القرطاجي(هملقار) في معركة(هيرا) قد قاتل الإغريق قتالاً مستميتاً استمر من الفجر حتى منتصف الليل، ومكث في معسكره يلقي بعشرات الضحايا في محرقة هائلة، ولما رأى جنوده يتقهقرون ارتمى وسط اللهب بتضحية اختيارية، وقضى نحبه فداء لوطنه، فجعل مواطنيه فيما بعد يقدمون له الضحايا ويشيدون له نصباً في كل مدينة قرطاجية، كان هلمقار رمزا وشهيدا وثنيا عظيما وملهما لأجيال من بعده ضحت من اجل قضية، حيث موت عظيم يخلق الحياة.
في مدن العرب المعاصرة يزدهر خراب الحياة بالموت المجاني الممتد من غزة وبيروت ومقديشو وصولا الى بغداد، فقدت فكرة الشهادة والتضحية معانيها حينما فقدت القضايا المركزية البوصلة، هناك شعور اجتماعي يتجذر يوما بعد يوم بافتقاد هيبة ومكانة القيم الكبرى ذات الصلة بالتضحية والشأن العام وفي مقدمتها التضحية والفداء والشهادة بمضامينها الاجتماعية الدينية والسياسية والنضالية، رغم ما نشهده من موت بدون حساب.
لا يوجد لدينا أرقام واضحة عن عدد الموتى الذين سقطوا في هذا الجزء من العالم دون ان يؤسس موتهم لحياة أخرى، ولا أرقام عن حجم الخسائر المادية والحضارية التي دفعتها شعوب المنطقة خلال العقد المنصرم، ومهما كان حجم هذه الخسائر المادية أو التضحيات البشرية المجانية، فإنها تعد متواضعة، أما الخسارة الكبرى التي تترسخ هذه الأيام في فقدان قيم وقيمة الحياة والموت في هذا المشهد الدموي الموحش.
فكرة القربان تمتد في علاقات مربكة منذ المجتمعات الزراعية الأولى التي ظهر فيها القربان النباتي، في حين أن التضحية بالذبح والدم احتفالية رعوية نشأت في مجتمع أبوي، لكن هل تحمل هذه الاحتفالية بصمات جرم بحق الذبيحة، وهل ينسحب على هذه الطقوس قانون الانتخاب الطبيعي في تضافر الأخوة لقتل الأب، ربما! لكن مسارات التاريخ وحركة الموت والحياة ومتوالية الولادات تذهب إلى منحى آخر، فموت الأب يحقق في لحظة ما عدالة التزامن مع التاريخ. في عالم الحيوان يستمر الذكر القوي في سيادة القطيع حتى ينتابه ضعف الشيخوخة، فيظهر ذكر آخر أقوى يدعوه للتنازل مما يؤدي إلى تنازل الأب عن مكانته، حتى وان تحول إلى طوطم لا يعني هذا جريمة ارتكبها الأبناء بحق الأب، فهي بالمعنى الموضوعي المباشر البحث الطبيعي عن التوازن مع الزمن، وبالمسوغ الأيديولوجي التضحية والفداء، وبمعنى قريب من ذلك تبدو فكرة الشهادة والاستشهاد في الإسلام التضحية الاختيارية من أجل سلامة الجماعة كلها.
لذا، فالقبول بفكرة القربان وفكرة الاستشهاد في الخط الموازي هي وعي مبكر للموت الإيجابي في تفعيل مفهوم الحياة وتعظيمه أي حينما يكون الموت نوعاً جريئاً واختراقياً في الدفاع عن الحياة، في المقابل هناك خيط رفيع يفصل بين الموت الاستشهادي والموت المجاني المعبر عن اليأس الموضوعي تتويجاً لفعل الخيبة وتلاشي الذائفة، أما الموت الإيجابي فهو لا يعني إعلان الفطام عن الأم الأولى، ولا احتجاجا على السير في الدروب الأولى التي عبرتها الأزمنة المبكرة، بل أن هذا الموت الاختياري هو ميثاق صامت مع الحياة وانتصار أكيد لها يقدمه الموتى ويرضى به الأحياء.
هذا الموت حينما يتصالح مع الزمن يفتح الطرق الواسعة للتاريخ إذ ينتقل من اليتم إلى الولادة، ومن حلم استعادة الأمس إلى تأسيس الحلم الجديد، ومن هدم الماضي بفعل البيات المزمن في عمارة أزمنة الآخرين إلى بناء العمائر الجديدة، هكذا يبدو التجاوز مقابل الاستعادة والموت مقابل الموت.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد