في كل المراحل لا يجوز الخطأ ولا يمكن قبوله مهما كان السبب والمبرر. لكن بعض المراحل تجعل الأخطاء ممنوعة حتى لو كانت من الوزن الخفيف، لأن الثمن يكون مضاعفا، بل وأحيانا لا يمكن استدراكه، ولهذا يكون للمراحل الخاصة إدارات خاصة، وحسابات خاصة، ومعادلات لا تقبل حتى أنصاف الأخطاء، لأن وجود أي خطأ يعني فتح الباب أمام هدر للإنجاز والفعل الإيجابي.
نحن في مرحلة سياسية لا يسمح فيها بأي خطأ من أي طرف وكل خطوة حتى لو كانت إدارية لكنها تحت السمع والبصر وثمنها كبير. ويزداد ثمن أي خطأ عندما يكون الحديث كله باتجاه الإصلاح ومحاربة فساد وفعل إيجابي بينما يصدر فعل خاطئ بالاتجاه المعاكس، فيكون أهم الأثمان هو المصداقية والمكانة الأخلاقية لما نقول. ولهذا، فإن من بيده أي قرار وسلطة عليه أن يدقق كثيرا، وأن يدرس كل فعل يقدم عليه وما هي تبعاته وآثاره، لأن الأخطاء باهظة الثمن ولا يمكن تبريرها، بل تحوّل كل جهد إيجابي من بقية أجزاء الدولة إلى هباء غير منظور وتتركز الأنظار على السلبي.
وأسوأ أنواع الأخطاء هي النيران الصديقة التي تأتي من أماكن وأشخاص وأوقات مأمونة نظريا يمارسها البشر. وهذا النوع من النيران تجده فجأة، وتكون المسارات الايجابية ضحايا للنيران الصديقة، وتجد الدولة أو أي جهة معنية نفسها مستنزفة لإيجاد حلول أو دفع أثمان باهظة أحيانا "للترقيع" وراء أخطاء من لم يتوقعوا منه ضررا. وكم من حكومات استنزفت جزءا غير يسير من جهودها في معالجة آثار النيران الصديقة.
في عالم السياسة يمكن تفسير بعض ممارسات مطلقي النيران الصديقة على أنه مؤامرات، أو تنفيذ لأجندات الأعداء والخصوم، لكن حسن النوايا من الأصدقاء أو ضعاف القدرات لا يكفي، لأن حسن النوايا لا يغني عن سوء العمل، والاعتذارات حتى لو صدرت بعمق وصدق فإنها لا تغني عن جهد لمعالجة أضرار، وبخاصة لدى أطراف قد لا تعلم وقد لا يعنيها الحديث عن النوايا، فكيف لو كان الفعل والنوايا من ذات التصنيف؟
ليس مهما كيف يقدر شخص في أي موقع حجم الخطأ، لكن المهم هو الأثر الحقيقي. وفي المراحل الخاصة تختلف الحسابات، ولهذا يكون التمييز بين قدرات الجهات والأشخاص في المراحل الخاصة وليس في أيام الرخاء. والخطأ، وبخاصة في المراحل الخاصة يحمّل صاحبه مسؤولية فشل جهود آخرين حوله يعملون بشكل سليم، لهذا يكون العقاب مضاعفا لأن الثمن متعدد الأبعاد وعلى أكثر من صعيد.
والمراحل الخاصة تحتاج إلى منهجيات تفكير خاصة تمنع الأخطاء، بل تجعل صاحب السلطة يمتلك إحساسا مرهفا مثل ميزان الذهب لأي فعل أو توجه أو قرار، وإلا فإن من لا يفعل هذا يقدم لكل خصومه هدايا كبيرة ومتتالية، كما يسبب لأصدقائه والمتعاطفين معه حرجا وضيقا وحسرة.
عندما تسير في شارع واسع وبلا ازدحام، تتساوى كل المشاهد والقدرات، لكن عندما يهطل المطر وتزدحم الطريق، فإن من لا يملك الإحساس المرهف والحسابات الدقيقة والقدرات الخاصة يكون هو ضحية الازدحام، وربما يفرض على من يحملهم في مركبته وحتى من يسيرون حوله أن يدفعوا أثمانا وهم مرغمون.

المراجع

alghad.com

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية