توجه خطير لدى الحكومة الصهيونية أن يتم تنفيذ انسحاب من طرف واحد من بعض مناطق الضفة الغربية مع احتفاظ سلطات الاحتلال ببعض مناطق مهمة هناك، لتكون هذه الخطوة شبيهة بما حدث في عهد شارون عندما انسحب بشكل أحادي ومن طرف واحد من غزة ليتركها بعد ذلك تحت رحمة الحصار والتضييق، ويتحكم في مداخلها ومخارجها.
والجانب الأخطر في هذا التفكير الذي قد نجده ممارسة على الأرض، أنه ينهي بشكل حاسم فكرة الدولة الفلسطينية. وستعتبره الحكومة الصهيونية بمثابة انسحاب وخطوة سلام تجاه الشعب الفلسطيني، وستجد في القوى الدولية من يرحب بهذه الخطوة ويراها لمصلحة الفلسطينيين، لكنه في الحقيقة ليس أكثر من انسحاب وفق الشروط والمعايير الإسرائيلية، بحيث تقوم الحكومة الإسرائيلية بوضع كل التفاصيل وتحدد من أين يدخل الفلسطيني وكيف يخرج وكيف تصله البضائع والغاز والبترول، تماما مثلما نرى في غزة.
إذا نفذت الحكومة الإسرائيلية هذا الخيار فإننا سندخل في مرحلة جديدة من مراحل القضية الفلسطينية. وحتى لو قرر الفلسطينيون أن يقيموا دولة في الضفة فستكون مثل دولة غزة، تعيش شكليات الدولة لكنها لا تستطيع توفير الكهرباء من دون إذن وموافقة من إسرائيل. لكن الأخطر أن الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وكل البنود التي يتم تصنيفها على أنها بنود للحل النهائي، ستتعرض للإبعاد، مثل حق العودة وحق إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة ومتصلة وحقيقية، إضافة إلى ملف القدس الذي يتآكل يوما بعد يوم، لكن حتى الوجود الشكلي لهذا الملف السياسي والوطني والإسلامي فإنه سيدخل مرحلة التجاهل، وإذا ما عاد يوما فإنه عمليا سيكون بشكل مختلف نتيجة التهويد والاستيطان والتهجير والهجرة.
اليوم، وامتدادا لشهور مضت، هنالك انشغال عربي بما يجري في العديد من الساحات العربية، وربما تجدها الحكومة الصهيونية فرصة لتنفيذ برنامجها السياسي تحت عنوان السلام، لأن كل العالم لديه ما يشغله. وكما أشرت، فإن هنالك قوى دولية قد تجد ما يحدث إيجابيا، وعندها أيضا سيكون لدينا تعزيز لحالة الانقسام الفلسطينية، وستتعمق فكرة الجزر المعزولة المتناحرة بين الضفة وغزة، وستقول إسرائيل للعالم إنها قد انسحبت من الضفة وغزة وتركت للشعب الفلسطيني أن يقرر مصيره، وإن هذا الشعب هو الذي ينقسم ويتناحر ويفشل حتى في الجلوس معا.
ومن منظور المصلحة الأردنية، فإن خيار الانسحاب الجزئي من طرف واحد من الضفة سيترك آثارا كبيرة، وسندفع جزءا من الثمن. فإذا كانت الدولة الفلسطينية المستقلة مصلحة أردنية عليا، فإن تبخرها إضرار بالمصلحة الأردنية العليا. كذلك، فإن إبعاد الحقوق الكبرى للفلسطينيين مثل حق العودة، ضرر يلحق بأهل هذا الحق المقيمين في الأردن، كما أن ضياع كل هذا فيه فتح لأبواب التوطين السياسي والعضوي، وإعطاء دفع وقوة لفكرة الخيار الأردني والتوطين والوطن البديل، وربما تتحول الضفة الغربية إلى عبء أمني وسياسي مثلما هي غزة اليوم مع مصر، والمستفيد هو الاحتلال، مع إدراكنا أن سلطات الاحتلال لن تفرط بالمناطق الحدودية مع الأردن، لكن كل الخيارات ممكنة.
فكرة خطيرة، ويأتي الدفع بها إلى الأمام في مرحلة يغيب فيها حتى الموقف السياسي العربي الذي كنا ننتقده، والأولويات اختلفت والانقسام الفلسطيني أصبح أقوى من كل أحلام المصالحة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  سميح المعايطة