لم اذهب شخصيا للمشاركة في الانتخابات البلدية، ولا يعود ذلك لكل أسباب تبرير ضعف المشاركة الانتخابية المتداولة، بل لأنه لا بلدية لي مثلي مثل 35 الف من سكان وادي موسى والقرى والبلدات المجاورة للبتراء، بعد ان ألغيت واحدة من أقدم بلديات المملكة وحل محلها مجلس تنظيمي باسم مجلس تنظيم إقليم البتراء يتم اختيار رئيسه وأعضائه بالتعيين.
الناس هنا لم يقطفوا لا بلح اليمن ولا عنب الشام، فحينما رضوا بالصيغة التنظيمية الجديدة وتنازلوا عن حقوقهم في التمثيل؛ كان طموحهم ان يرتقي أداء المجلس في توفير البنى التحتية والبيئة الملائمة للحياة والاستثمار، كما حدث في العقبة، لكن الذي حدث انهم فقدوا حقوقهم في التمثيل في الإدارة المحلية، بينما كانت صيغة الإدارة المحلية الجديدة اضعف من بلدية مترهلة.
المشكلة في حجم الإحباط الذي يعانيه الناس وتحول الى إحجام عن المشاركة، والناس في هذا المثال مصابون بفقدان الثقة بالمؤسسات والعمل العام ويحيون على تسويق الآمال والأمنيات.
هناك أمثلة يومية تفسر تدني المشاركة بأشكالها كافة ولا يتوقف الأمر على المشاركة الانتخابية وضعفها في المدن الكبرى، هناك جُرح ملتهب في الثقة بالمؤسسات الرسمية والأهلية والنخب على حد سواء. الناس لم يذهبوا لحفلات فنانين كبار وبالمجان في حفلات مهرجان جرش الأخيرة، ولم يذهبوا لآخر المهرجانات التعبوية للحركة الإسلامية كما حدث الأسبوع الماضي، وجرح الثقة يزداد بالإمعان وبالألم وبصمت.
سادت خلال السنوات القليلة الماضية في المجتمعات المتحولة، والأردن واحد منها، أنماط متعددة من التسويق السياسي المملوء بالمفارقات والتزييف أحيانا، بل ومحاولة شراء وعي الناس بدل من لفت انتباههم نحو رؤية سياسية أو تنموية جديدة أو تطوير قدراتهم نحو مشاركة سياسية أو تنموية حقيقية، ولا ينسحب هذا التعميم على حملات التسويق السياسي كافة على الرغم ان أكثرها وقع في شراك تلك الاختلالات؛ حتى أصبح هذا النمط من النشاط السياسي التجاري القائم على الترويج وشراء الخدمات الاستشارية أحد مظاهر زيف العمليات الإصلاحية على المستويات السياسية والتنموية، حينما اخذ يعمق الفجوة بين المؤسسات والمجتمعات ويزيد من عمق جرح عدم الثقة المزمن، ويتضح ذلك جليا كلما وضعت مضامين حملات التسويق السياسي على المحك، أو إذا ما جد الجد واختبرت الوقائع مدى جدية تلك المضامين، الأمر الذي ولد قناعة لدى العامة بعبثية هذه الأنشطة وعدمية السياسة من خلفها، هذا من جهة، ووضع اليد من جهة أخرى على أهم مشاكل أنماط المشاركة الشكلية وحملات التسويق السياسي في مجتمعاتنا، وبالتحديد المتمثلة في عدم القدرة على تأصيل هذا النشاط لكي ينبع من الهوية المحلية وشروطها الثقافية والاجتماعية.
بل بدا الأمر على طريقة القص واللصق من تجارب مجتمعات أخرى مختلفة في خبراتها ومكوناتها الاجتماعية والنفسية، علاوة على ان الخطورة الحقيقية التي كشفتها حملات التسويق السياسي تكمن في تزييف الوقائع وتشويهها أو اجترار الماضي؛ ومثال ذلك الترويج ضمن حملة تسويقية واسعة لمضامين سياسية اجتماعية حول مشاركة المرأة في الانتخابات ومحاولة بناء صورة ذهنية بالتلقين وبأنماط بدائية من الترويج الإعلامي، يتم ذلك في مجتمع تعد فيه أحوال المرأة ومستويات مشاركتها التحدي الاجتماعي الأكبر في المجتمعات المحلية الريفية والمدنية بفعل الأوضاع الاقتصادية وانتشار الفقر.
مشكلة المشاركة ترتبط بشكل جذري بالثقة في المؤسسات بمختلف أنماطها، والثقة مصدرها شرعية الإنجاز، وما دامت المؤسسات عاجزة عن الإنجاز والنخب من خلفها غير مقنعة، فانه من الظلم ان نطلب من الناس تصديقها أو الثقة بها.

 

بقلم: د.باسم الطويسي​​​​​


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   د.باسم الطويسي   العلوم الاجتماعية   جريدة الغد