سميح المعايطة
هي حكاية عن سيدة غير عربية، كانت على وشك السفر في أحد المطارات، وكان يفصلها عن موعد الطائرة بعض الوقت، لهذا ذهبت إلى البقالة في المطار واشترت علبة حلوى وكتابا، ثم جلست على كرسي تقرأ وتأكل من الحلوى.
كانت منهمكة في القراءة، فلم تنتبه إلى فتاة صغيرة كانت بجانبها تأكل معها من علبة الحلوى ذاتها وهي تبتسم، بل إنها كانت تأكل بشكل اعتبرته السيدة وقاحة من الفتاة الصغيرة، وخروجا عن الأدب والأخلاق.
استمرت الفتاة بالأكل من علبة الحلوى إلى أن بقي في العلبة قطعتان، فقامت بتقديم قطعة منهما للسيدة مع ابتسامة ودودة وأكلت الثانية، ثم حملت الصندوق الفارغ ورمته في أقرب سلة مهملات.
كل هذا كان يجري والسيدة تقرأ، لكن قلبها كان مكتظا بالكراهية للفتاة على ما اعتبرته سوء سلوك من هذه الفتاة الصغيرة، إلى أن قامت الفتاة لتلحق بأهلها وهم يغادرون للحاق بطائرتهم، والسيدة تلاحقها بنظراتها التي تحمل نقدا لأهل الفتاة الذين، حسب رأيها، لم يحسنوا تربية ابنتهم، وبقيت تقرأ في كتابها إلى أن جاءها نداء المطار لتلحق بطائرتها.
قامت بترتيب أغراضها، ووضعت الكتاب في الحقيبة؛ لتجد أن علبة الحلوى التي اشترتها كانت إلى جانبها من الجهة الأخرى وأنها ما تزال مغلقة غير مفتوحة، فيما كانت هي تأكل من علبة الطفلة التي كانت غاية في الأدب وكانت تطعم السيدة من علبتها، بل واقتسمت معها آخر قطعتي حلوى وقامت برمي العلبة الفارغة في سلة المهملات.
اكتشفت السيدة كم كانت ظالمة للطفلة وأهلها لأنها أكلت على الأقل نصف الحلوى الخاصة بالفتاة الصغيرة، وكانت خلال أكلها لقطع الحلوى تمارس حقدا دفينا على الطفلة وتشتم أهلها وتتهمهم بعدم تربيتها وعدم إحسان تعليمها، ولم تقدر حسن تعامل الطفلة البريئة التي اقتسمت آخر قطعتين من الحلوى معها، ثم قامت برمي العلبة الفارغة في سلة المهملات، بل إن السيدة اعتبرت هذا السلوك الجميل قلة أدب من الطفلة التي كانت تتعامل بمنطق فطرتها السليمة، وبكرم طفولي خال من الشوائب، بينما في الحقيقة أن السيدة بانشغالها بكتابها لم تكلف نفسها حتى تفقد أغراضها قبل أن تصدر أحكامها الظالمة على طفلة.
علبة الحلوى هذه قد تكون معادلة علاقة بين أي طرفين على المستوى الفردي أو الاجتماعي أو السياسي، ابتداء من علاقة الإنسان مع صديق أو علاقة زوجين أو العلاقات داخل مؤسسات العمل أو علاقات الدول والجماعات السياسية والاجتماعية.
هنالك من يحب أن يمثل دور السيدة ذاته، يمد يده في علبة حلوى الطفلة، سواء كان يعلم أنها ليست له أو لا، ومع ذلك يتعامل مع الطفلة وكأنها سارقة ومحدودة التربية والأدب، أو من لا يعلم أنها ليست علبته لكنه حتى عندما يعلم يصر على حقده الدفين على براءة الطفلة وحسن سلوكها، ربما لأنه لا يملك إلا لغة الجحود أو لأنه لا يملك القدرة حتى على الاعتراف بخطأ أو ممارسة ابتسامة بأثر رجعي بحق سلوك فطري بريء، وكرم تستحق الطفلة الشكر عليه.
المراجع
alghad.com
التصانيف
جريدة الغد صحافة سميح المعايطة العلوم الاجتماعية