هل تذهب العملية السياسية في العراق نحو المجهول، أو ربما نحو بداية النهاية التي لن تقبل الاستمرار في هذا الطريق المسدود، بعد توالي أزمات الحكومة العراقية وعجزها شبه التام الأمني والسياسي والاقتصادي، وآخر مظاهر الوضع الحرج للعملية السياسية انسحاب كتلة التوافق العراقية السنية من حكومة المالكي بوزرائها الخمسة ونائب رئيس الوزراء. خلاصة السؤال تذهب نحو البحث عن أشكال أخرى للعمل السياسي العراقي لإنقاذ العراق من ثقل عملية سياسية بات من الواضح أنها لا تخدم إلا استمرار الاحتلال وأجندات الجيران، والمقصود دور العراقيين في الخارج الذين أصبحوا اليوم أكبر كتلة وطنية مستقلة حان دورها وعليها مسؤولية وطنية وتاريخية وتملك من الشروط الموضوعية ما لا يملكه غيرها.
جاء انسحاب كتلة التوافق العراقية بعد أن رفض رئيس الحكومة المالكي مطالبهم ورد عليهم بقسوة، وأهم تلك المطالب تحقيق حالة من التوازن السياسي في حكومة كثيراً ما توصف بالسلوك الطائفي، وهي في الحقيقة أبعد ما تكون عن الوصف الرسمي الذي أطلق عليها مسمى"حكومة الوحدة الوطنية"، كذلك رفضه مطالب الكتلة السنية بوقف الإقصاء الجماعي ضدهم وحرمانهم من المشاركة الفعلية في السياسة العامة، ومطالبتهم بالعفو عن سجناء سياسيين وإطلاق سراح معتقلين.
وتأتي عملية الانسحاب بعد فترة طويلة من المماطلة وانحسار العمل السياسي اثر انسحاب وزراء التيار الصدري والعجز عن إجراء تعديل وزاري على الحكومة طوال عدة شهور، حيث بلغ عدد الوزراء المنسحبين من حكومة المالكي(12) وزيراً، واذا ما أضيف إلى ذلك إعلان القائمة العراقية الموحدة بقيادة إياد علاوي بأنها تبحث الانسحاب من الحكومة هي الأخرى، فإن الطريق السياسي العراقي في الداخل بات مسدوداً ومن العبث الاتكاء على الآليات الديمقراطية التقليدية في إعادة الكرّة مرة أخرى، فالديمقراطية تحتاج إلى ظروف موضوعية ومؤسسات وقوانين تكفلها، وغير ذلك لا يبدو أكثر من تزييف ومغامرة بمستقبل الشعب العراقي بعد أن خسر هذا الشعب حاضره.
فالنخب السياسية العراقية الجديدة غير مستعدة للتنازل قيد أنملة عن أي مكتسب تحقق والثمن يعيشه العراق اليوم، لذا فهي تنحو للبحث عن حل امني سياسي وليس حلا سياسيا امنيا، بالبحث عن تفاهم ما مع كل من سورية وايران ووقف تسلل المقاتلين عبر الحدود واستخدام كل ما لديهما من نفوذ على الجماعات المتقاتلة في العراق، وسبق ذلك في تدليل على حجم الانتهازية السياسية المهيمنة ما آلت إليه كل المؤتمرات ومحاولات العمل السياسي التي لم تأت بشيء أكثر من تكريس محاصصة طائفية غير نافذة.
الولايات المتحدة تقف على عتبة مرحلة جديدة في إدارة الشرق الأوسط وتريد ان تبدأ من البوابة العراقية، هذه حقيقة، ولكن هذا لا يعني انها تبحث عن استراتيجية الخروج من المنطقة، بل تبدأ بمرحلة جديدة تتفق مع المسار التاريخي لمدرسة الواقعية السياسية(البراجماتية) التي أدارت تاريخ العلاقات الاميركية مع العالم على مدى أكثر من قرن. وهي إن وظفت فكر المحافظين الجدد فهي استثمرته بكفاءة ويبدو انه اقترب من نهاية مهمته، ولا يعني ذلك التخلي عما حققت استراتيجيات المحافظين الجدد من إنجازات وفق منظور "الاستراتيجية العليا" الاميركية.
الوضع العراقي الصعب والمعقد يعد مختبراً وساحة في الوقت نفسه لكشف حجم الانتهازية السياسية التي تمارسها قوى دولية وأطراف إقليمية ونخب سياسية عراقية، والتي تتجاوز استراتيجيات المصالح الوطنية إلى نمط من الانتهازية الضيقة تأخذ بالمزيد من الوضوح كلما ازداد الوضع تعقيداً.
يوجد اليوم في العالم حوالي ستة ملايين عراقي دفعتهم أحوال بلادهم لمغادرتها في موجات متتالية منذ مطلع التسعينيات، هم من خيرة أبناء العراق وبينهم نخب ليبرالية ونخب من كافة التيارات تؤمن بالعمل السياسي العقلاني، وتدرك أن ما يحدث في العراق هو انتحار مجاني يتم تحت مسمى العملية السياسية، ويمكن لهذه الكتلة البشرية أن تشكل البديل في إطار عمل سياسي أصبح لابد منه.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد