الفكر الذي قام عليه كيان الاحتلال الصهيوني قبل 63 عاما، بل منذ أن كان وعد بلفور، هو أن لا تكون النكبة على الشعب الفلسطيني فقط، بل أن تكون آثار وجود الاحتلال جزءا من الأعباء التي تحملها الأمة العربية، وبأوزان تتناسب مع عمق العلاقة الجغرافية بين أي بقعة عربية وفلسطين. 
والنكبة لم تكن تلك الأيام التي شهدت قيام دولة الاحتلال، بل هي المراحل التي سبقت وتبعت الخامس عشر من أيار (مايو) العام 1948، بل ولكل جزء من نكبة أيار (مايو) امتداد مايزال حتى اليوم وسيبقى مادامت هذه القضية مفتوحة من دون حلول جذرية، تعيد أصل الحقوق إلى أهلها وإلى كل طرف عربي تضرر ودفع من أمنه واستقراره نتيجة وجود الاحتلال.
وإذا كانت النكبة شهدت تشريد أبناء فلسطين الذين تحولوا إلى قرار دولي، فإننا حتى اليوم ندفع أثمان يوم النكبة؛ يدفعها الفلسطيني الذي فقد أرضه وحقه، ويدفعها كل طرف عربي عبر عدم إعادة الحق إلى أصحابه من خلال ما يسمى التوطين بأشكاله ومستوياته.
لكن النكبة تكتمل فصولها وتتحقق كل أهداف من صنعوها. فالنكبة الحقيقية إذا نجحت مخططات الاحتلال في إيجاد أي بديل وطني أو سياسي  لفلسطين. ونقول فلسطين كلها، فليس هناك شيء اسمه الضفة الغربية أو غزة أو منطقة 48، بل هي فلسطين إلا إذا كان الهدف تقسيما إداريا داخل حدود فلسطين.
والنكبة الحقيقية إذا نجحت الجهود في إخفاء هوية الفلسطيني أينما كان، لأن الهوية الفلسطينية الواضحة في مواجهة الاحتلال هي الرد القوي على التهويد للأرض والإنسان، ولأن القبول بهوية سياسية وحقوق وطنية في أي مكان أو زمان على حساب الهوية الوطنية والسياسية الفلسطينية هو النكبة الكبرى والنقيض لحق العودة.
ومواجهة النكبة تقتضي أن لا تتغير أولوية ابن فلسطين لتكون على أي أرض أخرى أو أي هوية أخرى، حتى وإن صاحب هذا تمسك بشكليات تضيع تحت زحمة الواقع والمصالح أو ضعف معادلات المنطقة والأمة.
مواجهة النكبة وآثارها تكون بأن لا نكون ضحايا القبول بأسماء حركية صنعها الواقع عبر عشرات السنين، فهذه الأسماء تمثل قبولا بواقع فرضه الاحتلال وسوّقه ومايزال.
مواجهة النكبة مستمرة مادام هناك جهد لجعل الفلسطيني يقبل غير هويته، ويسعى لحقوق لدى عنوان غير الاحتلال. وهي مستمرة مادام هناك مخطط لتحويل الحقوق الكبرى إلى تراث وشكليات واكسسوارات نستعملها في أيام وأفراح ومناسبات وغناء، بينما تنجح سياسات الاحتلال في تغيير أولويات أو صناعة فكر جديد أو تغيير جوهر ومضامين معاركنا.
مواجهة النكبة ليست أمرا سهلا، وليست حالة إدارية أو التعامل مع قضية كبرى ومركزية على أنها بند على أجندة مناسبات العام، بينما يقدم بعضنا خدمات جليلة للاحتلال من خلال تضييع سنوات في خلاف على شكليات السلطة، ونكتشف بعد كمّ الخسائر أن إنهاء الخلاف سهل وطريقه ليست مستحيلة.
مواجهة النكبة عندما تبقى فلسطين في الأذهان والعقول فلسطين، وأن يبقى الوطن والحق على تلك الأرض المحتلة، وأن تبقى بوصلة المواجهة مع المحتل، وأن لا تتحول مفاصل القضية الكبرى إلى شعارات موسمية أو لغة سياسية بينما قلوبنا وأجنداتنا باتجاهات أخرى.. وأن نكون مؤمنين أن حق العودة حقيقة وليس كلاما عاما، بينما قناعاتنا في مسار مناقض.

المراجع

alghad.com

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية