تحتاج مطابخ السياسة والسياسات العامة الأردنية الى المزيد من الخميرة والكيمياء لإنضاجها في الكثير من الأحيان، هناك استعجال وإدارة يومية وضعف في إدراك مواقف الآخرين، وفي تقدير إمكانيات الذات أيضا، كل ذلك ينعكس في إدارة الأزمات وتقدير حجم الانفعال والتفاعل والاتجاهات التي تذهب إليها الأحداث، لكن المفارقة والحق الذي يجب ان يقال؛ ان تفاعلات كيمياء السياسة الأردنية، دائما لا تصل الى حد الخراب، فهناك قدرة عالية للتكثيف الايجابي والإنقاذ ولو في اللحظة الأخيرة وإعادة تقدير المقادير، الأمر الذي أنقذ البلاد كثيراً من عفن السياسة والكيمياء القاتلة التي يتورط فيها الآخرون، المشكلة في حجم الانفعال والتفاعل، ألم يقل بأن الكيمياء هي هبة العلوم للبشرية ومصدر خرابها أيضا.
مباشرة أنتقل الى كيمياء التعليم العالي والجامعات، فقد كشفت دراسة تقييم واقع الجامعات الأردنية تفوق تخصص الكيمياء على سواه من التخصصات في الجامعات الأردنية، وذلك على مستوى المعايير المحلية وتجاوزه المعايير العالمية؛ في نسبة أعضاء هيئة التدريس من حملة درجة الدكتوراة مقابل أعداد الطلبة، وفي الإنتاج العلمي المدعوم، وفي نتائج امتحان الكفاءة، وهذه نتيجة طيبة تستحق الاحتفاء بالكيمياء الأردنية، وتحتاج في نفس الوقت انتظار مبادرات وطنية من القطاعين العام والخاص للاستثمار في هذه البيئة العلمية وتنميتها، كما تستحق هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي المزيد من التقدير والمساندة والاستقلالية أي المزيد من الكيمياء النافعة.
بينما أعادت الدراسة تكرار معلومات يعرفها معظم المنشغلين في واقع التعليم العالي حول مظاهر الضعف في هذا القطاع، فهذه الدراسة تؤسس لتقاليد وطنية نحتاجها في كل القطاعات حتى لا تبقى قصة الشفافية مجرد دعاية رديئة يوظفها من يشاء وكيفما يشاء. نحن نحتاج الى دراسات وتقارير علمية سنوية مستقلة لتقييم القطاعات والمؤسسات والأداء؛ تصدرها مؤسسات وجهات خبيرة مستقلة تستطيع تطوير أدواتها بالتراكم؛ حتى تصبح مرجعية تنال الاحترام والهيبة عند الجميع، يمكن ان يحدث ذلك في قطاعات الخدمات العامة في الصحة والغذاء والتعليم وأحوال البنى التحتية والإعلام أيضا، وصولا الى إدارة كفؤة للجودة الوطنية.
الجامعة ليست مجرد طلبة وهيئات تدريس ومناصب أكاديمية وإدارية وصراع إدارات، الجامعات في تقاليد العالم المتقدم ذات ادوار سياسية وحضارية لا تقل قيمة عن الأدوار الأكاديمية والاجتماعية، وهي بمثابة بوصلة الدولة ومرجعيتها الأخيرة، هذا الواقع تفتقده الجامعات الأردنية التي تبدو وكأنها مجرد جزء من الديكور الوطني، ولقد لفتت الدراسة التقييمية لواقع الجامعات الى مظاهر الخلل، ولم تتوقف عند مصادره في الوقت الذي ما زالت معظم الجامعات تتحدث عن الإصلاح ولا تمارسه فعليا، كثيرا ما يتردد ان مشكلة الجامعات الحكومية الكبرى هي التمويل والموارد، وهذا أيضا مظهر من مظاهر الخلل وليس المصدر الحقيقي، الذي يكمن في ان الجامعات الحكومية افتقدت لفترة طويلة الإدارة الحكيمة والكفؤة!
هل أقدمت الجامعات على إصلاحات حقيقية في مسارها، في أدائها على مستويات العملية التعليمية المنهكة أو في جودة مخرجاتها؟ وهل أقدمت على تطوير مسارات ولو أولية في البحث العلمي التطبيقي يتفق مع ما نردده صباح مساء الى حد الضجر عن أولوية وقيمة الموارد البشرية في مؤسسات أول من تضحي به الكفاءات؟! وهل قدمت هذه المؤسسات مبادرات نوعية في المساهمة في تنمية مجتمعاتها المحلية وتغيرها ايجابيا أم أن تلك المجتمعات هي التي أثرت فيها.
هناك تخصصات وبرامج تنشأ في بعض الجامعات ولا يوجد في الجامعة أساتذة متخصصون فيها، اللهم رغبة في فتح نافذة لزيادة أعداد المقبولين، والمشكلة أنّ هذا الأمر مستمر على الرغم من تنبه مجلس التعليم العالي اليه. ثمة تزايد واضح في أعداد الطلبة لكل عضو هيئة تدريس ما ينسحب على أعداد الطلبة في كل قاعة صفية، وتضخم غير معقول للعبء الدراسي لعضو هيئة التدريس جعله يفقد الحاسة الأكاديمية للتدريس الجامعي، كما أبعده عن مهام أخرى لا تقل أهمية عن التعليم وعلى رأسها البحث العلمي والتطوير.
لا يوجد في الجامعات عنف طلابي وحسب، بل هناك مكائد أكاديمية كبرى وعنف من نوع آخر بين الأساتذة المنشغلين دوما بالعبء الإضافي، والصراع على الإدارات.
هناك حديث عن إصلاح الجامعات، ولكن لا يوجد إصلاح حقيقي لهذا الوقت، المهم توجد إرادة واضحة للإصلاح في هذا القطاع أكثر من غيره، توجد كيمياء جديدة في التعليم العالي، والاهم كيف تضبط معادلاتها.
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد