قد يفسر البعض قرار الحكومة في التخلي مرحليا، ولمدة ثلاثة أشهر، عن مشروعها في رفع الدعم عن المشتقات النفطية وما لحقه من تداعيات بأنه خطوة دعائية تصب في خانة تعضيد ما تبقى لهذه الحكومة من فرصة للمناورة بعد سلسلة الأزمات التي مرت بها، وخطوة تمنح هذه الحكومة المزيد من التعاطف والتعبئة الشعبية للاستمرار في التحضير للانتخابات النيابية القادمة وإجرائها؛ كل ذلك ممكن القبول به لمن لا يعرف تفاصيل المشهد الأردني وحجم الأعباء التي ترزح تحتها الطبقات الاجتماعية العريضة، ومعنى الدولة وقيمتها في التحليل الاجتماعي لحاجات الناس وحياتهم اليومية.
لقد تحملت الطبقات الاجتماعية الأردنية العريضة أعباء ما يسمى مشروع الإصلاح الاقتصادي والاندماج في الاقتصاد العالمي طوال السنوات الماضية، وربما لا يوجد مجتمع تحمل تقلبات الأسواق العالمية ومزاجية الشركات العملاقة وهيمنة اقتصاد السوق العالمي مثلما حدث لتلك الطبقات، ما يجعل خطوة الحكومة بالتوقف وإعادة التفكير بمسألة رفع الدعم أو على الأقل تأجيلها خطوة تحسب لها، وتعبر عن العودة إلى روح الدولة ليس بمفهومها الرعوي التقليدي بل بالمفهوم الاجتماعي للدولة.
تتحدث الأرقام الوطنية عن معدلات ومؤشرات متقدمة في مجالات التنمية الإنسانية تفوق مثيلاتها في مجتمعات مجاورة، وهذه حقيقة تجعل المرء يعتقد إن البلاد تقف على عتبة مرحلة الانطلاق بعد أن تخلصت من الكثير من خصائص المجتمعات التقليدية وحتى المجتمعات المتحولة، إلا إن مساحة التفاؤل تتراجع وتضيق أمام ظواهر أخرى ترتبط بالنتائج الاجتماعية لبرامج وخطط الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وبرامج التنمية والاندماج المتسارع في الاقتصاد العالمي.
صحيح، أنه لا مكان في هذا العالم للمجتمعات النامية إلا بمواجهة التحديات الاجتماعية في بعدها الاقتصادي وبالمنطق ذاته الذي يدشن تحولات جذرية تنال تحرير التجارة العالمية والانفتاح الاقتصادي والتوجه نحو إقامة التكتلات الاقتصادية، لكن كل الميزات التي يتحدث عنها الفكر الاقتصادي الليبرالي في لحظته التاريخية الراهنة يمكن أن تتحول إلى وبال اجتماعي يعصف بالمجتمعات الصغيرة ويهدد وجودها في ضوء غياب الشروط الموضوعية المرتبطة بعلاقات الداخل بالداخل أولاً، وعلاقات الداخل بالخارج ثانياً، حيث تتحول عملية التحديث إلى موجات من العصف التدميري التي تعمل على إزاحة البنى الاقتصادية التقليدية وتعجز عن إيجاد بدائل حقيقية وفاعلة مكانها، وتخلق ثنائيات جديدة تعصف هي الأخرى بالأوضاع والبنى الاجتماعية، وعلى حد تعبير (الآن روسيون) تصبح النخب ضد الجماهير والدولة ضد المجتمع والحداثة المستوردة ضد القوى الحية القابلة للتغير وتغترب نوايا العقلانية والعلمانية وتموج المجتمعات بصراعات لا تاريخية؛ أي صراعات لا تحمل إمكانية التغير والتحديث الحقيقي.
الأسئلة الأردنية الجديدة هي ذاتها الأسئلة القديمة حول مؤشرات التحديث وهل تبني تراكماً وطنياً حقيقياً في الاقتصاد والمجتمع والثقافة، وعلى سبيل المثال؛ ماذا بعد تخلي الحكومة عن رفع أسعار المشتقات النفطية قبل يومين في ضوء تزايد استمرار ارتفاع الأسعار العالمية، في ضوء عدم توفر بدائل وطنية للوفاء بمستلزمات الدعم التي تزيد من حجم العجز، لم نتوقف عند أبعاد الظاهرة الاستهلاكية الوطنية وعلاقتها بخلاصات البرامج والخطط الإصلاحية الاجتماعية والاقتصادية. ثمة انفجار استهلاكي، قليلاً ما يشار إليه، تعمّق بشكل مضاعف بفعل برامج الإصلاح السالفة خلال السنوات القليلة الماضية، يكفي أن نلاحظ بأنّ الأردنيين يدفعون فواتير اتصالات تفوق معظم دول العالم، وتصل حسب أرقام جمعية حماية المستهلك إلى 16% من الدخل وفي أرقام أخرى فهي تتجاوز ربع الدخل، وهي ظاهرة لم يكن يعرفها الأردنيون منذ عشر سنوات، ظاهرة الانفجار الاستهلاكي في مجتمع يترنح بين الفقر والبطالة، تفسر احد مصادر الانتحار المتزايد للطبقة الوسطى المنخرطة في سياق الاستهلاك الذي يفوق القدرات الإنتاجية، ما يجعل هذه الطبقة عرضة للانهيار السريع والمؤلم، ماذا عن حجم يزيد على 30% من التهرب الضريبي، وماذا عن زيادة قسرية للسكان تجاوزت 20% من حجم السكان.
فجـوة التنمية وضعف القدرات التوزيعية لعوائد التنمية ونتائجها لا تتوقف على مشكلة البطالة ثم الفقر الحتمي، بل تتجاوز ذلك وتصل إلى مسألة المواطنة والعزلة عن الوطن، أي تـوق الناس لذواتهم وتصورهم قبل كل شيء للوطن، والعزلة التي نقصدها، ولدينـا أدلة وأمثلة حية حولها لا تعني العزلة المكانية لقرى أو تجمعات لا يمكن الوصول إليها، بل هي عزلة زمنية مفرغة من التاريخ من جهة، وعزلة وجدانية من جهة أخرى.
احد وجوه المشكلة التنموية في الأردن يبرز في التعامل المباشر والاشتباك المرير مع النتائج أكثر من الأسباب والمقدمات، لقد صرفت الحكومات المتتالية والنخب، على مدى أكثر من عقد ونصف، جل جهدها حينما تتصدى لقضايا التنمية في الحديث عن البطالة والفقر من دون تقديم تفسيرات مقنعة وجدية تلامس ولو أطراف الحقيقية، في حين مارسنا لردحٍ من الزمن ترف الحديث عن ثقافة العيب، ولم تقدم عشرات الدراسات والتقارير المحلية والدولية وركام الأرقام وقائع جدية تفسر جوهر الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية وتصل إلى عمق فهم آليـات تأثير رأس المال وقواه وأنماط الإنتاج وعلاقاتها في إنتاج الاختلالات في خصوصياتها الأردنية.
التحديث المفرط بالاغتراب عن الذات والذي يلغي الخصوصيات المحلية ويقلل من قيمة الإنتاج وأثره في تحقيق الذات، يجعل الفئات التي ترتع بالثراء السريع والمفاجئ قدوة في سلوكها لفئات عريضة من المجتمع، فيما لا تزال مؤسسات الدولة التي تتحدث عن شد الأحزمة والدخول في زمن الزهد الحكومي ترتع هي الأخرى في الإنفاق الاستهلاكي الحكومي الذي يتجاوز 20% من الناتج المحلي الإجمالي.
في الوقت الذي يتحدث فيه الرسميون عن انتهاء مرحلة الدولة الريعية والتحول نحو الاعتماد على الذات عبر سلسلة من السياسات الانتقائية لم تنل إلا رفع أسعار المشتقات النفطية وما تبعها من تداعيات نالت أسعار مئات السلع والخدمات.
ثمة أسئلة أردنية جديدة في الاقتصاد والتنمية، هي أسئلة المجتمع التي حان الوقت لمناقشتها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد