لم يعد مفهوم الفساد يقتصر على تحصيل الأموال بطرق غير شرعية، ولا حتى على استغلال المواقع الإدارية وكافة أشكال السلطة في تحقيق المكاسب، ولا سلامة الإجراءات المالية والإدارية في إدارة الشؤون العامة والخاصة.
اليوم يعد ضعف الإدراك لمصالح المجتمع شكلا آخر من أشكال الفساد، وأهم مظاهر هذا النمط من الفساد الأكثر انتشارا عدم توفر الكفاءة والمعرفة في إدراك تلك المصالح؛ وفي تقدير محددات البيئة المحلية والدولية في إدارة الاقتصاد والشؤون العامة.
هذه أحدى أهم الخلاصات التي نحتاج التوقف أمامها طويلا، وأحد أمثلتها مسألة الشبهات التي أثيرت منذ أكثر من عام حول بيع الرخصة الثالثة لتشغيل الهاتف المحمول، بعد ما جاء به تقرير اللجنة الحكومية التي شكلت لهذه الغاية والذي نشرته كاملا صحيفة "العرب اليوم" الأسبوع الماضي، وهو التقرير الذي برّأ صفقة بيع رخصة المشغل الثالث التي تمت في شهر آب 2005 من شبهة الفساد بعد ما أثير حولها، حيث بيعت 98% من أسهم الشركة بقيمة 415 مليون دولار بعد عام واحد من عمل المشغل الثالث الذي حصل على رخصة الخليوي بقيمة ستة ملايين دينار فقط.
إلى هنا، لا توجد مشكلة! فالتقرير الحكومي أكد سلامة الإجراءات التي بموجبها تمت الصفقة، وطبيعة الإعفاءات والتسهيلات التي حصلت عليها الشركة؛ بالاستناد الى القوانين والتشريعات النافذة، لكن كيف لعاقل أو للمواطن العادي ان يفهم حجم الفجوة الهائلة بين ثمن الرخصة الذي بيعت به، وما وصلت له خلال عام واحد، يقال انها قوانين السوق وتطوراته، ولا ضير ما دامت الإجراءات التي تمت التزمت بالقوانين ومرت بمرجعياتها كافة. وعلى الرغم من أن الكثير مما جاء به التقرير يفتقد للمبررات الموضوعية، ومثال ذلك تخلي الشركة عن التزامها بإنشاء جامعة متخصصة في علوم هندسة الاتصالات، فإنّ العيب الحقيقي هو في سوء التقدير، على اقل تقدير، في ثمن الرخصة الثالثة وفي توقيت بيعها لأول مرة، وفي عدم تقدير وإدراك حجم التغير الذي تشهده سوق الاتصالات في العالم والإقليم.
لنكن أكثر حيادية؛ فالفساد الحقيقي يكمن في مسألة كفاءة صنع القرار واتخاذه قبل أي شيء آخر، وفي كفاءة من يتخذ القرارات ومن يصنعها من قبل، إذا وجدوا؛ وهو الأمر الذي يحيلنا الى منهج إدارة التحولات الاقتصادية، وغياب وجود مراكز صنع السياسات على أسس علمية بعيدا عن الارتجال، فهذا هو الشكل الأكثر خطرا من الفساد لأنه الأكثر قابلية للتبرير والتبرئة، حينما يترك مصير البلاد ومعاش الناس ومصيرهم لهذا النمط من الإدارة الفقيرة بالمعرفة وبإدراك ما يدور في العالم.
بالتزامن مع الصفقة الأردنية العام الماضي باعت الحكومة المصرية رخصة المشغل الثالث للهواتف المحمولة لتجمع تقوده شركة اتصالات الإمارات بثلاثة بلايين دولار أميركي مرة واحدة ثمن الرخصة وحدها، وإذا ما تمت المقارنة بين الحالتين المصرية والأردنية، بما في ذلك حجم السوق ومؤشرات قطاع الاتصالات ومؤشرات الدخل ومستقبل هذا القطاع في كلا البلدين خلال خمسة أعوام قادمة فإن سوق الاتصالات الأردنية تشكل ما بين سدس إلى ثمن السوق المصرية على الرغم من أن حجم المشتركين في خدمات الاتصالات المحمولة في الأردن يشكل حوالي 35% من حجم المشتركين في السوق المصرية، حيث يوجد ثمانية ملايين مشترك مصري مقابل ثلاثة ملايين مشترك في الأردن، بينما ما تزال فرص نمو هذا القطاع أكثر سرعة وتنوعاً في الأردن، وبالأخذ بهذه المؤشرات كلها فإن تقدير ثمن رخصة المشغل الثالث وحدها في السوق الأردنية في ذلك الوقت بمعايير الصفقة المصرية الإماراتية يتراوح ما بين 400-450 مليون دولار، وليس أربعة أو ستة ملايين دينار، كما بيعت في وقتها، هل المسألة تكمن في الفرق الزمني أم في فجوة الإدراك والمعرفة.
عالم الاقتصاد اليوم تديره المعرفة والقدرة على إدراك ما يحدث في العالم وإدراك التحولات القادمة، لا يمكن الحديث عن اقتصاد سوق يرتمي في حضن السوق العالمية الباردة من دون هذه الحقائق، المعرفة والإدراك هما أساس قياس كفاءة القرارات، وحين يُفقدان يجب أن يُسأل متخذو تلك القرارات، هل وصلوا الى مواقعهم بالكفاءة والجدارة، وهنا معنى الفساد.
بقلم: د.باسم الطويسي
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي العلوم الاجتماعية جريدة الغد