ما تقوم به بعض النظم العربية والإسلامية اليوم، من إجراءات تشكل بعض أنماط الدفاع الذاتي أمام صراع الشرعيات الحاد، يُذكر بإصلاحات الدولة العثمانية في آخر أيامها حينما بدأت تشعر ببداية تحلل شرعيتها. لذا، نلاحظ اليوم على أرض الواقع ما كان يردده سعدالدين إبراهيم منذ أكثر من عقدين بعد ما عجزت المجتمعات العربية عن ملء فراغ الشرعية الأيديولوجية الثورية بعد هزيمتها وتركت المجال أمام النظم السياسية للاحتماء بالشرعية الملفقة، وأهم ملامح هذه الحالة التي يعاد اليوم إنتاجها كآخر دفاعات أمام الشرعية المتهاوية يبدو في إعادة ترميم الدولة التسلطية وإثارة مخاوف الناس من أي منافسين على السلطة وتضخيم الإنجازات الوهمية، وبيع الأحلام الوردية وافتعال الأزمات الخارجية والاحتماء بقوى خارجية.
إن أي تحليل لمستقبل أزمة الشرعية في العالمين العربي والإسلامي لا يأخذ بعين الاعتبار مسارات الأزمة الثقافية الكبرى التي تحياها هذه المجتمعات، سيدخل في دائرة التنجيم أكثر من الرصد والاستشراف التاريخي والاجتماعي،ما ينقل مستقبل هذه الأزمة من البحث في الحقل السياسي إلى الحقل الاجتماعي الثقافي،الأمر الذي يتطلب بالتالي إعادة اكتشاف الشرعية السياسية وتعريفها من جديد، بعيدا عما تعودنا عليه من الولاء للحاكم أو النخبة الحاكمة إلى الولاء للدولة والطاعة للقوانين والتأييد للأهداف والقيم الكبرى، إن مصادر الشرعية تتجدد وهي حالة سياسية تعكس الموقف الاجتماعي والثقافي،وما قضية الديمقراطية والمشاركة السياسية وتداول السلطة إلا أحد تعبيرات أزمة الشرعية وليست الأزمة بأكملها، بل هي أكبر من كل ذلك، وقد تصل إلى حد تدمير الأسس المعنوية والمادية المنتجة للجماعة كجماعة؛ مما يجعل الجماعة والوجود المادي للأفراد والدولة التي تمثل إطارهم السياسي في مهب الريح، أليس ما يحدث في العراق ولبنان وفلسطين اليوم المثال الراسخ لأزمة الشرعية التي وصلت إلى هذا الحد.
المجتمعات العربية لا تعيش اليوم مشهد الفراغ الاستراتيجي، وغياب المناعة وتراجع القدرة على الاشتباك مع العالم بحثاً عن المصالح الوطنية بما يعنيه الاشتباك من صعود أو تراجع، بل تحيا مشاهد متقطعة معظمها ينتهي بالاندحار.
حيث يقاد الأفراد إلى فجوة نفسية عميقة وغربة مريرة يزداد فيها الشعور بأن هذه الأوطان ليست لهم؛ لقد جسدت فعاليات السنوات الأربع الماضية من التنظير والممارسة في محاولات تعبيد الطريق المتعثر نحو الديمقراطية والتغيير السلمي في العالم العربي حالة من التكييف الثقافي والسياسي، الذي يعمل على إعادة إنتاج شرعية جديدة للنخب الحاكمـة والطبقات السياسيـة التقليديـة عن طريق استثمار العمليـة السياسيـة والمجتمعيـة السائرة نحو أحداث بعض الإصلاحات السياسية على ضحالتها، إلى آلـة لترسيخ شرعيـة تلك النخب، وأهم أدوات هذا التسويغ تتمثل في صيغـة الصدقات والحسنات السياسيـة و"الزكوات" التي تقدمها السلطـة والتي من الطبيعي أن لا تمهد لمشاركـة سياسيـة حقيقيـة وفاعلـة، بل إلى ترسيخ المزيد من ثقافـة الطاعـة والحمد والشكر.
وللأسف تعمل ثقافـة الرشو السياسي،التي ترتع في أحضان صيغـة الحسنات والصدقات السياسية على إعاقة الديمقراطية وتقليص خلق فرص حقيقية لتداول السلطة أو توفير مناخ إيجابي لتقسيم عادل للثروة والقوة في المجتمع.
فكما أنه لا يمكن دراسة علم اجتماع التخلف بمعزل عن فهم اقتصاد المجتمعات المتخلفة، فإنه لا يمكن فهم إعاقة الديمقراطية بدون فهم علاقات الإنتاج الظاهرة والأخرى الكامنة التي تحدد مصائر الأفراد وتوجه في نهاية الأمر سلوك الدولة حيال رعاياها في بيئتها الإقليمية والدولية، هذا الفهم يحدد القيمة المادية والمعنوية للعطايا السياسية وتأثيرها والتي لا تشكل العطايا المادية فيها إلا جزءاً يسيراً أمام العطايا المرتبطة بتوزيع القوة في المجتمع، وخلال العقود الماضية تعودت معظم الدول العربية على الصيغ التقليدية من الهبات والعطايا أو الصدقات السياسية التي تزكي من خلالها عن ميراثها في التسلط،واليوم استعارت هذه النظم مفهوم العطايا والصدقات وتحاول أن تسحبه على أي خطوة تقدم عليها للانفتاح على مجتمعاتها.
إذن المدخل الموضوعي لتحليل مستقبل علاقات السلطة في العالم العربي، بعد نهاية ما سمي مشروع الإصلاح السياسي، يبدأ من هنا؛ من حالة خداع بصري تتحول فيها عصا السلطة إلى عصا الساحر دون أن تفقد أدوارها التقليدية.

 

بقلم: د.باسم الطويسي​​​​​


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   د.باسم الطويسي   العلوم الاجتماعية   جريدة الغد