يدل الخريف عادة على الشيخوخة ونهاية العمر، وفي السياسة لا فرق بين النهايات الخاسرة والتخريف السياسي فكل منهما يؤدي الى الآخر، أما خريف الحلول فربما يدل على مرحلة من تاريخ الصراع ماثلة أمامنا؛ كما يشهدها الصراع العربي الإسرائيلي في هذا الوقت، من دون قدرة احد من الأطراف التقدم خطوة الى الأمام نحو التسوية أو الحرب، بينما  يتعلل الجميع بمواعيد واهمة على طريقة انتظار اجتماع الخريف القادم، الذي دعا اليه الرئيس الأميركي قبل فترة، وفجأة تحول في وسائل الإعلام الى صيغة مؤتمر دولي؛ الكل ينتظره ويعلق عليه الآمال.
خلقت فكرة مؤتمر الخريف، منذ أطلقت الى هذا الوقت، حالة من الغموض وعدم الوضوح تنال جوانب هذه المبادرة كافة، هناك خلاف وعدم وضوح في الرؤية حول الأطراف التي ستدعى لحضور هذا المؤتمر وحول مضمون القضايا التي سوف تطرح، ولا يوجد وضوح حتى حول موعد انعقاده، وبينما تشهد العواصم العربية حراكا سياسيا خلال هذه الأيام، نجد أن هذه العواصم تدفع نحو حضور كل من سورية ولبنان وتوسيع أجندة القضايا المطروحة لإطلاق مسارات متعددة للتفاوض تعيد بعض ماء الوجه المراق للمبادرة العربية، بينما يبدو أن هناك رغبة إسرائيلية بحضور سوري مقابل عدم رغبة بحضور لبنان وذريعتها بذلك أن مشكلة لبنان مع سورية وليست مع إسرائيل، ولا توجد بين الطرفين مشاكل ذات صلة بالأراضي، أما الولايات المتحدة، فلا رغبة لديها بحضور سورية، وتدعو لحضور لبنان على خلفية المواقف السياسية أكثر من طبيعة أهداف المؤتمر ومضامينه.
وعلى الرغم من الحديث عن خلايا عمل إسرائيلية فلسطينية تعمل منذ فترة على صياغة مقترحات وبدائل على خارطة واسعة من القضايا الخلافية المعلقة، إلى جانب تواتر اللقاءات الفلسطينية الإسرائيلية بين الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الاسرايئلي بمعدل لقاء كل أسبوعين، إلا أن أيا من الطرفين لم يقدم أي إشارة تتفق مع حالة الإغراق والتضخيم الإعلامي حول المؤتمر، حيث تدعو وزيرة الخارجية الاسرائيلية لعدم رفع سقف التوقعات، بينما كشفت القاهرة مؤخرا عن تذمرها من عدم الجدية وضعف التحضير للمؤتمر، كما يبدو أن الداخل الإسرائيلي يشهد انشقاقا وعدم وضوح الرؤية حول جدوى الذهاب للمؤتمر من جهة، وحول قدرة الحكومة الاسرائيلية الحالية على اتخاذ قرارات تاريخية أو حاسمة في بعض ملفات الصراع من جهة اخرى.
في حين ان أكثر الإطراف توعكا ولا يملك موضوعيا شروط الحركة الايجابية هو الطرف الفلسطيني، فمن المحتمل أن تفجر حماس أي اتفاق مبادئ قد تصل اليه السلطة المنقوصة السيادة مع إسرائيل، ما يجعل حراك الخريف الراهن أمام دلالة واحدة تفسرها حماسة وزيرة الخارجية الأميركية، ومفادها تعزيز ثقة دول الاعتدال العربي بتحالفهم مع الولايات المتحدة واستمرار حالة إدارة الأمر الواقع على محور العراق إيران، وهذه الصيغة اعتدنا عليها منذ حوالي سبع سنوات من رؤية بوش لحل الدولتين الى وصف الجدار العنصري العازل بالأفعى في أحشاء الضفة الى متوالية خارطة الطريق التي لم تصل الى هدف.
ولأن مصالح الشعوب ومصائرها لا تأخذ بمعايير التشاؤم والتفاؤل وحسب، ومع دخول التسوية السياسية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي عامها السادس عشر، وهي بالمناسبة ربما تكون أطول عملية تفاوض سياسي شهدها التاريخ، بات من الضروري الخروج من مدار مدريد التاريخي والدخول في مدار جديد، والذي يعني عربيا في أضعف الإيمان الاستفادة من دروس السنوات الماضية، وأهمها الإقلاع عن الرهان على تحولات تحدث داخل إسرائيل ذاتها على صعيدي الدولة والمجتمع.
ولأن كل التجارب والخبرات أنتجت خبرة أن العرب غالباً لا يتعلمون من الماضي، فإن احتمالات التغيير يبدو مصدرها نمط العلاقات الدولية، والتي ستنال في بعض جوانبها إعادة إنتاج علاقات إسرائيل مع الغرب لمصلحة استمرار واستقرار إسرائيل، بمعنى ترويض إسرائيل للدخول في تهدئة تاريخية وحاسمة مع الداخل والمحيط؛ هكذا يبدو المشهد في هذه اللحظات خريفا حقيقيا للحل تفسيره في العودة إلى سباق التسلح وطلعات جس النبض أو الخروج من مدار مدريد بأكمله.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد