لا يوجد ما يدل على استرخاء سياسي دولي أو حتى استراتيجي حول الشرق الأوسط على الرغم من مرحلة الهدوء النسبي في بعض التفاعلات السياسية التي تشهدها المنطقة. الجديد يبدو في البحث عن قواعد اشتباك جديدة تصاغ في هذا الوقت؛ بعضها ذات جانب إجرائي داخلي يشيد حالة التجسير السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين وفق منظور المصالح القومية الأميركية العليا، وأخرى ذات ارتباط بالحقائق الدولية الجديدة والاوضاع الإقليمية، وبالتحديد العمل على محورين، بات الكثير من دوائر صنع الاستراتيجيات الدولية يدركهما، محور يدور حول إدراك حقيقية مستقبل الاحتلال الأميركي للعراق، ورغبة الدولة المحتلة باستمرار وجودها العسكري بصيغة أو بأخرى على المدى البعيد، ومحور إعادة تعديل ومراجعة المدخل الإسرائيلي في إدارة السياسة الدولية في الشرق الأوسط.
الحقيقة ان النقطة الحرجة التي وصلت إليها طريقة إدارة مصالح الولايات المتحدة في المنطقة تفترض انها استنفذت كل أهدافها من سياسات الفوضى التي وسمت هذه المرحلة بالانتقال من الهيمنة التقليدية إلى استخدام القوة المباشرة، بمعنى العودة إلى الهيمنة التقليدية واقتراح آليات جديدة لإدارة المصالح والمشاكل والصعوبات التي تراكمت بفعل الهيمنة والقوة معاً، ان إعادة تعريف مصادر التهديد من جديد لكل من الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط وإعادة تقييم هذه المصادر ورسم خطوط تماس جديدة وقواعد للاشتباك سيشكل ذلك كله ملامح نمط من الاستقرار البناء هذه المرة؛ أي القابل لخلق تحولات جديدة.
وفي ضوء ما يطرح من وثائق أميركية وحراك إقليمي ودولي، تبدو أهم ملامح الاشتباك التي ستحكم تفاعلات المرحلة القادمة -ولا سيما إنها تبني في هذا الوقت الجسر المشترك بين الديمقراطيين والجمهوريين وتشكل ما يشبه إعادة صياغة أو فك وتركيب لقواعد الاشتباك- أولها التنازل عن بعض مظاهر الادراة المركزية لصالح الإدارة الإقليمية المحلية من خلال تعميق فجوة المصالح وتعريتها بين الأطراف الإقليمية، وإدارة الصراع والاشتباك من خلالها، مع إتاحة القدر الكافي من عناصر بناء القوة والحركة الإقليمية، وتوسيع قاعدة تعدد القوى الإقليمية في المنطقة.
القاعدة الثانية للاشتباك تُعنى بإعادة تعريف المدخل الإسرائيلي الذي اعتادت الولايات النظر من خلاله لعلاقاتها بالشرق الأوسط بما يشمله من مصالح وعواطف، وهذا الواقع لا يعني ان الولايات المتحدة باتت تملك رؤية حاسمة أو أصبحت أكثر تفهماً لحقائق المنطقة، بل باتت أكثر قناعة بضرورة تحريك هذا الصراع وتحقيق إنجازات ما فيه، بدلاً من الاكتفاء بالإدارة السلبية للصراع. وقد تفضي هذه الإنجازات إلى إعادة تأهيل مكانة إسرائيل في المنطقة والإقليم مقابل التمدد الإيراني، وهذا يفسر الاعتراف العلني الأول من نوعه من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بامتلاك أسلحة نووية.
القاعدة الثالثة هي استراتيجية المساومات الجديدة، تجد بعض تفسيراتها لدى اتجاه اخذ ينمو في السنوات الثلاث الأخيرة في دوائر الدراسات الاستراتيجية، بعد عقد من الإغراق الإعلامي والأكاديمي حول التفوق والتفرد الأميركيين، وهذا الاتجاه يدرك حجم القوة الأميركية جيدا، لكنه يدرك أيضا أن لهذه القوة حدوداً، في الوقت الذي تزداد فيه مؤشرات بروز قوى جديدة أخرى، الأمر الذي فتح المجال أمام مساحة أوسع للمساومات الاستراتيجية المتبادلة وبحذر وريبة متبادلتين، فالقوة مثل الطبيعة تكره الفراغ. وهذا الواقع يعيدنا إلى ما كتبه(نيل فورغوسن) العام الماضي ونشر في مجلة السياسة الدولية، بأن الولايات المتحدة لا تخشى تراجع هيمنتها أو التحول في المجال الدولي إلى حالة من الفوضى، بقدر ما تخشاه من وصول العالم إلى حالة من التوازنات والحسابات الدقيقة التي تعني انعدام الهيمنة.
البيات الشتوي السياسي القادم سوف يتبلور بعد ان يكشف الخريف عن تواضع مخرجات العملية السياسية الحرجة الدائرة في هذا الوقت على محور القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، واستمرار تفاعلات الإدارة اليومية للملف العراقي، في وسط هذا البيات تبقى احتمالات المفاجآت القاسية واردة وبقوة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد