كشفت أزمة شركة الأمن الأميركية المسماة "بلاك وتر" الدائرة في هذا الوقت بين الحكومة العراقية وسلطة الاحتلال عن هشاشة الموقف الأمني والاستراتيجي للاحتلال من جهة، وخرافة سيادة الحكومة العراقية التي تتحدث عن سيادة أمنيّة تترسخ،وعن بداية انسحاب أميركي تدريجي، وهي قراءة تفتقد لأبسط أولويات الخطاب الدعائي،وليس قراءة الوقائع على الأرض.
قصة الحفاظ على ماء الوجه،وليس السيادة لأن الحديث عن السيادة تحت الاحتلال ضرباً من الوهم بدأت حينما قامت ميليشيات هذه الشركة الأمنية العملاقة بإطلاق النار عشوائياً على المواطنين العراقيين، وقتل (11) منهم في (ساحة النسور) وسط بغداد في وضح النهار، وعلى عادة القتل المجاني السائدة في زمن الاحتلال في العراق، مما أثار مشاعر من النقمة والسخط وسط الشارع العراقي حيث تمت العملية أثناء مرافقة عناصر هذه الشركة الأمنية لموكب دبلوماسي أميركي ولمجرد سماعهم صوت انفجار بعيد تم تحويل الشارع إلى كتلة من النار، الأمر الذي دفع وزير الداخلية العراقي إلى الإقدام على سحب ترخيص هذه الشركة، أي عملياً إخراجها من الأراضي العراقية، ووسط دهشة الكثير من المراقبين حول جرأة هذا القرار في ضوء غموض الدور الذي تقوم به هذه الميليشيات الأمنية الكبيرة والقرار العراقي لم يمض سوى(24) ساعة حتى تراجع رئيس الحكومة العراقية عن قرار الداخلية السابق.
وتردد أن الحكومة العراقية لم تحصل حتى على اعتذار رسمي عن الجرائم التي ترتكبها "بلاك وتر"، في هذا الوقت كانت هذه الميليشيات قد رفضت الأوامر الصادرة إليها من الحكومة العراقية بحجة أنها ملزمة بأوامر السفارة الأميركية التي أمضت معها العقود.
ويعود ظهور اسم "بلاك وتر" في وسائل الإعلام بشكل مكثف إلى ظهورها كقوة مؤثرة وذراع متعدد المهام في العراق بعد احتلال العراق بعدة شهور،وبلغ ذروة هذا الظهور في31 آذار 2004، بعدما اصطادت"المقاومة" العراقية أربعة أميركيين في مدينة الفلوجة يعملون لدى الشركة، حيث أثبتت المعطيات أن ميليشيات هذه الشركة هي من قاد جرائم معركة الفلوجة، وتم التركيز الإعلامي على أنشطة هذه الشركة بعد أن قام المواطنون العراقيون بحرق جثث العناصر الأربعة على جسر الفلوجة رداً على ما ارتكبته من جرائم وحشية. وعاد الحديث بشكل ملفت مرة أخرى عن نشاطات هذه القوة بعد أن أسقطت المقاومة العراقية طائرة نقل تعود ملكيتها للشركة في عام2005، الأمر الذي أكد أن دور الشركة يتجاوز دور الحماية والأمن التقليدية وأثبت أنها تقوم بعمليات عسكرية واسعة وهي بالفعل الذراع القوي للجيش الأميركي في العراق.
لا توجد معلومات دقيقة وواضحة حول عدد العناصر والسلاح وطبيعة العمليات المكلفة بها الشركة هذا الوقت، لكن معظم المعلومات والتحليلات تقول بأنها تملك ثاني أكبر قوة في العراق بعد الجيش الأميركي، وتتفاوت التقديرات لعدد أفرادها وهم من جنسيات عديدة، تصل في أعلاها إلى(180) ألفا وفي أدناها إلى (100) ألف، وفي أدنى التقديرات تصل إلى (60) ألفا، وتصل أجرة الفرد الواحد منهم يومياً (1500) دولار، وهم بذلك أقوى جيش مرتزقة في العالم، وأكبر قوة شبه منظمة غامضة، علما بأنها لا تزال تبدو كقصة إخبارية مثيرة للانتباه.
ظاهرة تفويض المهام العسكرية إلى الشركات، أي خصخصة القتل والحروب الرسمية في العالم، تعود بداياتها إلى نهاية الحرب الباردة، ويمثل هذا القطاع الجديد من الأعمال السوداء سوقاً عالمية تقدر بحوالي مائة مليار دولار، وبتجسيد أكبر نشاط لهذا القطاع حاليا في العراق حيث تنتشر حوالي (60) شركة أمنية أكبرها جيش "الماء الأسود". والغريب والخطير في نفس الوقت في هذا الموضوع يتمثل في الغموض حول الدور الذي يقوم به هؤلاء القتلة حسب وصف (بيتر سنفر) الخبير في معهد بروكينفر الأميركي، حيث تزداد القصص والمعلومات المثيرة والمتناقضة، بينما تزداد هيمنة هذه الظاهرة الجديدة في إدارة القوة وتحقيق المصالح في العالم.
المهم، أن حادثة ساحة النسور في بغداد أماطت اللثام عن قراءة أخرى أكثر واقعية للمستقبل الذي يذهب نحوه المشهد الأمني والسياسي في العراق، وبالمناسبة شعار شركة الماء الأسود الموجود على موقعها الالكتروني يتحدث عن السلام والديمقراطية ايضا!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد