نقدر الجهد الكبير الذي بذلته لجنة الحوار الوطني، والتي استطاع مخزون الخبرة والتجربة فيها التغلب على نقاط الضعف في تركيبتها. ومن الضروري أن يتم البناء على مجمل التوصيات، لأنها تمثل الطريق التي يمكن من خلالها بناء حالة سياسية جديدة، وترجمة النوايا الحسنة تجاه الإصلاح إلى أجندة وطنية ومواعيد لإعادة بناء العديد من المؤسسات الدستورية.
لكن مخرجات لجنة الحوار ليست قدرا أو نصوصا لا يجوز المس بها، لأن من يؤمن بالمؤسسية والمسارات الدستورية يعلم أن حق إقرار التشريعات هو للحكومة بشكل أولي، ثم إرسالها إلى مجلس الأمة. ولا يمكن اعتبار مخرجات اللجنة حالة توافق وطني لا يجوز مسه، لأن الكثير من أعضاء اللجنة يمثلون أنفسهم فقط.
ورغم ما سبق، فإن هناك بنية إيجابية قدمتها اللجنة على صعيد قانوني الانتخاب والأحزاب، وحتى لو تمت أي تعديلات فإنها محدودة جدا. ولعلي هنا أتوقف عند بند من بنود النظام الانتخابي المقترح والمتعلق بقائمة الوطن، والتي أعتقد أنها كفيلة بصناعة طبقية سلبية في صفوف السادة النواب للمجلس القادم. وأعتقد أنه لا ضرورة لما يسمى قائمة الوطن، وبخاصة أن النظام الانتخابي المقترح قدم 115 مقعدا للقائمة على مستوى المحافظة، ولم يعد هناك صوت واحد أو دوائر صغيرة، وأصبح المواطن ينتخب على مستوى المحافظة؛ أي تم التخلص من كل ما كان يقال إنها سلبيات للنظام الانتخابي السابق.
وعندما يتم انتخاب نائب من أي محافظة على مستوى محافظته وضمن قائمة يمكن أن تكون سياسية أو برامجية، فإن هذا كفيل برفع مستوى أسس اختيار السادة النواب، والتخفيف من طغيان الخدمات الشخصية والمنافع في إطار القرية والعائلة إلى أسس تتعلق بالتنمية للمحافظة أو البرامج العامة أو المعايير السياسية والوطنية. وهذا النائب له صفة تمثيلية واسعة، ويتم إفرازه من خلال قائمة لديها الفرصة لتقديم نفسها من خلال معايير وطنية.
لكن تحويل النواب إلى نوعين أو طبقتين؛ إحداهما تفرزها المحافظة وأخرى يفرزه الوطن، فهذا له آثار سلبية، وأحيانا لا يكون له علاقة بمستوى النائب أو مؤهلاته السياسية، لأنه إن كنت من حزب قوي وكنت صاحب قدرات متواضعة، فإن الحزب يستطيع أن يحقق لك الفوز نائب وطن، وتشعر أنك زعيم وطني، وربما يزرع ذلك الفوقية السياسية لدى هذا النائب مع أن آخرين قد يمتلكون كفاءة أكبر وحضورا سياسيا متميزا، لكنهم لا يملكون رافعة حزبية قوية تمكنهم من الفوز على مستوى الوطن.
الانحياز إلى فكرة القائمة على مستوى الوطن مجاملة لشعارات سياسية وعناوين عامة، ونوع من تحقيق انتصارات سياسية داخل حدود اللجنة، لكن الأمر ليس محسوما. ولو كان النظام الانتخابي وفق الصوت الواحد لكانت قائمة الوطن مرحلة تشريعية لرفع مستوى أسس اختيار النواب، لكن مع النظام الجديد المقترح على مستوى المحافظة، فإن القائمة على مستوى الوطن تصنع طبقية مرفوضة داخل المجلس، وتصنع أيضا رموزا قد لا تكون حقيقية من حيث القدرات. وما دامت عملية الانتخاب على مستوى المحافظة تتم وفق نظام القائمة، فلا إضافة نوعية تقدمها القائمة الجديدة.
ليس سرا أن النظام المقترح بالقائمتين جاء لتحقيق توافق داخل اللجنة، لكن الدولة ليست ملزمة بتبني خيارات جاءت لمنع الخلاف داخل اللجنة، حتى لو كانت لها آثار سلبية أو فوائد شكلية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد صحافة سميح المعايطة