في مشهد تمثيل كاريكاتوري ربط الفنان المبدع موسى حجازين عمان بحزمة من الحبال محاولا بكل ما أوتي من قوة ليجرها نحو الديسة، في إشارة الى التعثر الذي ما انفك يلاحق مشروع جر مياه حوض الديسة من أقصى البادية الجنوبية الأردنية نحو العاصمة عمان، معبرا بذلك؛ بأنه ما دام المشروع يتعثر في كل مرة؛ فلماذا لا نجر عمان الى الديسة.
المفارقة واقعية، رغم كل ما يحمله المشهد من ابتعاد عن الجدية، والواقعية تبدو في السؤال المصيري الذي تطرحه المجتمعات التي تُستنزف مواردها منذ عقود في مختلف محافظات المملكة من دون ان تحصل على الحد الادنى من التوزيع العادل لنتائج التنمية، بينما تتكدس هذه الموارد في العاصمة التي تتورم بالبشر والحجر، كلما ازدادت خارطة المنطقة تشوها بالمزيد من الصراعات والاحتلالات.
في التاريخ تُعمر المجتمعات وتنشئ الحضارات حول مصادر المياه، وما تزال مصادر المياه والطاقة وعناصر الإنتاج الأولية هي المصادر الأساسية لقيام التنمية عليها وحولها، وليس باستنزافها من دون أدنى وجه عدل، المسألة في حالة مياه الديسة لا تعني بأي شكل الانتقاص من قيمة تعميم الملكية الوطنية لهذه الموارد، بل أن جوهر حق الدولة في نقل هذه المياه باعتبارها ثروة وطنية للجميع يكمن في العدالة، ومصدرها حق المحافظات الأردنية في الجنوب بتنمية قادرة حقا وليست تنمية شكلية  وعاجزة، أي الحق في تنمية قائمة على تمكين المجتمعات من مواردها وقادرة على بناء القدرات الحقيقية، لا نريد ان يعيد مشروع جر مياه الديسة الجديد كارثة مشاريع الزراعة هناك التي آلت الى ما آلت اليه.
يبدو أن المشروع دخل مرحلة جدية بعد إحالته على شركة تركية بعد نقاش وتأجيل وغموض في الرؤية استمر سنوات، وعلى الرغم من التحفظات الواسعة التي تبديها أطراف عديدة حول المشروع، يبقى المطلب الواقعي في حماية المصالح الوطنية وفي مقدمتها حقوق المجتمعات التي تكتنز أراضيها هذه المياه بالاستفادة العادلة من عوائدها.
وإذا كان المشروع بحد ذاته موجهاً لإدارة الندرة في الموارد وبالتحديد المائية في بلد يقع في رأس قائمة بلدان العالم العطشى، فأنه يحتاج لغطاء من الشرعية بتأكيد الأمن الاجتماعي وتوفيره للمجتمعات المحيطة به، كما هو الحال في كفاءة الإدارة وحساسية المسؤولية، أي رؤية وطنية جريئة تخفف ببساطة من الضغط على الموارد وتوازن بين الطلب المتزايد من ضخ موارد المحافظات في المركز.
في الطريق الطويلة التي تشق الصحراء الأردنية من العقبة إلى عمان لا تلمح بشكل موضوعي شواهد تنموية لوجود الدولة، لكن وفي المقابل ثمة شواهد أخرى مثل أسطول من الشاحنات العملاقة جميعها تذهب محملة وتعود مفرغة، وعلى طرف الطريق الطويلة تسير عربات القطار الحجازي الهرمة المحملة بالتراب وقصص الفوسفات، ولا تترك للناس هناك سوى الغبار والأتربة والإشعاعات، وعلى الجانب الآخر تمتد أنابيب الغاز المصري، وشبكات أخرى من الأعمدة والكوابل والأنابيب جميعها ذاهبة وغير مقيمة، وقريباً سوف تدشن أنابيب عملاقة تسحب مياه حوض الديسة صوب العطشى وبرك السباحة في عمان، وكأن كل شيء يذهب من هناك!
في المحافظات في الجنوب والشمال وفي عرض الصحراء مصادر الموارد الوطنية الحقيقية، وفق المنظور الاستراتيجي القائم على مفهوم الكتلة الحيوية "الأرض والسكان والموارد"؛ فمن الموارد الطبيعية إلى الموارد التاريخية إلى الموارد البشرية إلى الموارد المعنوية شكلت المحافظات جل عناصر قوة الدولة الأردنية، إلا إنها بقيت طوال العقود الماضية على هامش التنمية وخططها، وهو الأمر الذي يفسر تواضع نوعية الحياة وتقاسيم البؤس في وجوه الناس في قرى وبلدات مهمشة تحيا على هامش التنمية وتسهر ليلها الطويل في انتظار وعود وأمنيات وبرامج رسمية تعلكها الشاشات ووسائل الإعلام، ان الناس الذين استُنزفت مواردهم وخيراتهم، وكدست في أماكن أخرى بحاجة إلى الشعور بأنهم شركاء في هذه الموارد وشركاء في الوطن.
السؤال الحري بالإجابة حول مستقبل المجتمعات المحلية المحيطة بهذا المشروع في البادية والأرياف الجنوبية؛ هل ستلحق بمياهها وسنشهد موجة جديدة من النزوح والهجرات الداخلية صوب عمان، هل توجد خطط ومشاريع مرافقة لإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة تتوفر لها أسباب الحياة والاستقرار، كما يحدث في كل المشاريع الاستراتيجية في العالم، لتشرب عمان حتى ترتوي من مياه الديسة ليست هذه المشكلة، لكن هل ندرك ان القيمة الوطنية الحقيقية للمشروع هي بجر التنمية على طول خط المياه.
ختاما، الاسم الصحيح هو الديسة كما يسميها أهلها، وكما تقول كتب الجغرافيا وليس الديسي كما يردد الخطاب الرسمي ووسائل الإعلام!

 

بقلم: د.باسم الطويسي​​​​​


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   د.باسم الطويسي   العلوم الاجتماعية   جريدة الغد