تحتل الصناعات الثقافية بمفهومها الواسع اليوم المرتبة الأولى في التجارة الدولية، فهي اكبر من تجارة السلاح أو النفط أو حتى الغذاء والدواء، ولابد من التنويه إلى ان مفهوم الصناعات الثقافية، الذي يشير إلى السلع والخدمات كافة التي تحمل قيمة ثقافية وإعلامية، ما يزال غير واضح لدينا في المجال الثقافي العربي ويحتاج إلى المزيد من التأصيل العلمي.
لكن من المتعارف عليه اننا أمام عدة مستويات من المفاهيم الفرعية التي تندرج تحت مفهوم الصناعات الثقافية وأهمها، الأصول الثقافية: تشتمل على رأس المال الثقافي لأي مجتمع ويقصد بها الموارد الثقافية الدائمة التي تحتاج إلى الرعاية والمحافظة عليها، أي الاستدامة وتشمل الموارد كافة التي تتعلق بالمواقع التاريخية والأثرية والتراثية والمتاحف وما يرتبط بها من صناعات ثقافية وما يسمى بصناعة السياحة الثقافية والأنماط الثقافية الموروثة من تقاليد وأعراف وطقوس تعكس الخصوصيات المحلية، وأدوات ووسائل الصناعة الثقافية: وهي كافة الأدوات والوسائل المعاصرة التي تسهم في عمليات التثقيف الجماهيري الواسع وأهمها وسائل الاتصال الجماهيري (الإذاعة والتلفزيون، الحاسوب، وصناعـة النشر والطباعة، وشبكة الإنترنت، السينما .....).
والسلع الثقافية: ويقصد بها كافة السلع التي تنتجها أدوات ووسائل صناعة الثقافة، تلك المرتبطة بالأصول الثقافية ومنها الصحف والكتب والنشرات وألعاب الفيديو والحاسوب وبرامج الحاسوب والأفلام والتحف والنحت والهدايا والأفكار والبرامج المعنية بالترويج.
ان الموجة الجديدة من تطبيقات تكنولوجيا المعلومات واندماجها الهائل بصناعة الإعلام والاتصال، ونمو السياحة الدولية منذ عقد الثمانينيات جميع هذه العوامل جعلت الصناعة الثقافية بالفعل تنتقل من كونها صناعات خفيفة إلى صناعات ثقيلة في ميزان اقتصاديات العالم، مع المحافظة على كونها صناعات نظيفة من دون مداخن أو تلوث، إلا ان هذا المعطى نسبي أيضا، فهي صناعات ناعمة إلا إنها في الوقت نفسه تملك قدرة عاصفة على البناء والتدمير معا، فهناك جيل جديد من المنتجات الثقافية الخدمية التي تعصف بالعالم نتيجة الالتقاء بين الإعلام والثقافة من جهة والتطبيقات التكنولوجية من جهة أخرى، فالعصف الهائل من هذه المنتجات الثقافية يمتد من هيمنة شبكات المعلومات والمكتبات الافتراضية والتلفزيون والبث المباشر عبر السماوات المفتوحة والتلفزيون التفاعلي وتوظيف برمجيات الحاسوب وصناعة الألعاب الإلكترونية.. وغيرها.
في البيئة العالمية المعاصرة يزداد الخوف المزدوج، الخوف من الصناعات الثقافية والخوف على الصناعات الثقافية؛ أي الخوف من التنميط العالمي الذي تقوده سياقات العولمة والاندماج والخوف على الخصوصيات والهويات المحلية التي عادة ما تعمل الصناعات الثقافية المحلية على صيانتها.
ان تنمية الصناعات الثقافية في الحالة الأردنية تعد مدخلا تنمويا حان الوقت للالتفات اليه بجدية؛ وبالتحديد تلك القائمة على استثمار واستدامة التراث الحضاري؛ اعتمادا على ضرورة تدخل القطاع العام في الصناعة الثقافية، بهذا المعنى فان الصناعات الثقافية القائمة على مدخل التراث الحضاري مؤهلة في الحالة الأردنية ان تلعب دوراً مجتمعياً تنظيمياً من جهة، وان تسهم في التقدم والتنمية والرفاه من جهة أخرى، أمامنا تجربتان الأولى عالمية تتمثل في الأنموذج الفرنسي والأخرى إقليمية عربية تتمثل في التجربة المصرية.
يؤكد الأنموذج الفرنسي على شرعية تدخل القطاع العام في الصناعة الثقافية بالاستناد إلى عدم القدرة على الاستجابة لتنمية صناعات ثقافية محلية ذات خصوصية في مواجهة قوانين السوق وقوة العرض، حيث أسست فرنسا أول وزارة للفنون عام 1918 وتطور هذا الأنموذج في رعاية الدولة للصناعات الثقافية من خلال تدخلها في التأهيل الفني والحفاظ على التراث ورعاية المبادرات المبدعة تاركة الإنتاج الثقافي للقطاع الخاص.
ان دور الرعاية المرنة لصناعة الثقافة الذي حافظ لهذه الدولة على دورها في الثقافة والفنون وما يرتبط بهما من صناعات له نتائجه الواضحة في مركزية دور فرنسا في الثقافة الإنسانية، بينما يشير تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003م إلى صحوة الوعي بالثقافة الشعبية والتراث الحضاري وما يرتبط بهما من صناعات ثقافية في مصر.
وتعد التجربة المصرية في تطوير صناعة السياحة الثقافية والترويج لها غنية وذات ثراء في القدرة على توظيف مختلف عناصر التراث المادي والسمات الثقافية المحلية بصورة كفلت ترويج الخصوصية التي باتت معروفة في مختلف أنحاء العالم، ما أوجد تقاليد وطنية تحرص على استدامة هذه الصناعة وتطويرها الدائم، على ضفتي النيل كان الناس وما يزالون منفتحين على العالم أكثر من غيرهم من مجتمعات الشرق الأوسط التي تنتمي إلى الثقافة العربية الواحدة، وهم أيضاً يملكون حساسية عالية حول الهوية الوطنية التي يفتقدها العديد من مجتمعات المنطقة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد