هذا الصباح الذي تبدو فيه الشمس خلف غيوم ماكرة وهي تسرب لي من نافذة بيتي المتواضعة أشعة مترجرجة تتكسر حينما تصل الى فنجان قهوتي تاركة خيط دخان تبغي يبدو نحيلاً وواهناً، بينما العتمة الغبية تمنح الصباح طعماً مخاتلاً يفشل في التصالح مع صوت فيروز الذي ظل يوقظ البهجات الصباحية، ليقدمها لي كمطربة أعراس
|
هذا الصباح الذي يتوعدني بصقيعه العدواني ليلسع ارنبة أنفي بروائح باردة ومحايدة، ويجعلني اتذكر صباحات مدرسية كان معلم اللغة الانجليزية يقف لنا بالمرصاد متسلحاً بمسطرة معدنية يضرب بها قفا أصابعنا، تاركاً قامته البيضاء المستطيلة تتآخى مع المسطرة المعدنية واستطالتها تحفر في أعماقنا غيظاً وقهراً مؤجلاً يجعل من ساحة المدرسة التي كانت تتثلج هي الاخرى ببرودة معدنية ساحة اعتقال.
وهذا الصباح سوف أحضر صحيفتي اليومية من الصندوق المُثبت امام بيتي لأعود الى مكاني المحبب في الصالة أتوسل المدفاة في أن تقيني من صفاقة الاخبار العربية والدولية والمحلية واعلانات التهنئة بالخطة والزواج وقدوم المولود الاول واطفاء الشمعات السبعة لطفل يبدو ان الصفحة الملونة فشلت في تجميل ملامحه، وابقت على ملمح المشاكسة والعفرتة ثابتتين في ملمحه، وعلى الأغلب لن امر على صفحة الموتى مرور الكرام لأن الموتى صار معظمهم من مجايلي وخصوصاً عند قراءة تلك العبارة «عن عمر يناهز» وهو العمر الذي يجاور عمري بالضبط. واعود لأقرأ باعتناء ممل التداعيات في الاعتصامات التي تبدو في معظمها وكأنها اكتشفت الوطن للتو، وأنها سوف تعلن اعتصاماً مفتوحاً حتى تحقيق المطالب، وعلى الأغلب سوف أفسد صباحي بالفضائح المالية ونهب المال العام باخبار الفاسدين وفتح ملفاتهم المتتالية والسجون ذات الخمس نجوم التي افتتحت خصيصاً لاستقبال علية القوم من الفاسدين.
هذا الصباح سوف أنهض بقامتي باتجاه فضائية الجزيرة كي أتابع اخبار الذبح اليومي للشعب السوري، وكالعادة سوف أتحسر على حمص وعلى بساطة سكانها وعروبتهم الطافحة التي اكتشفتها ذات زيارة، وسأعود بالذاكرة الى انبساط ارضها السهلية، والى بساطة الفتيان وهم يقودون الدرجات الهوائية وهم يحملون الخبز «المشروح» الطازج للتحضير للافطار البسيط الذي يخص العائلة، ساتذكر ايامي الخمسة فيها، وغمس تلك الذاكرة بالعسكرة التي فرضها «حماة الديار» على مدينة لها بساطة يد طفل وزلزلوها بمدافع المورتر والار بي جي.
هذا الصباح الذي سيقودني كنعجة مطواعة نحو أحزاني انا بريء منه وهو بالتأكيد ليس من صباحاتي.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |