حملة وطنية تم إطلاقها قبل أيام للترشيد في مجالات الاستهلاك. وجاء إطلاق الحملة قبيل قدوم شهر رمضان المبارك الذي ترافقه دائما أحاديث الإنفاق والإسراف والترشيد، بحيث أصبحت أحاديث الترشيد قليلة التأثير ولا تختلف في صداها عن إعلانات الحث على ترك التدخين الذي يزداد في كل المجتمعات وتتضاعف أعداد ضحاياه من الأحياء والأموات. والعيب ليس في حملات الدعوة للترشيد، بل في كون محفزات الإنفاق أكبر تأثيرا وأقرب للنفس من الترشيد، وربما لأن الدعوة للترشيد دائما وفي كل الأعوام عامة وغير تفصيلية ولا تقترب من أن تكون برامج عملية يمكن للفرد ممارستها أو ممارسة بعضها على الأقل، ولا تختلف عن دعوة لشخص بأن يكون نظيفا أو تقيا أو مثقفا، فلا نقدم له الوصفة التفصيلية التي تجعله يعلم كيف يصل إلى هذا.
وهناك حاجة إلى برامج تراعي طبيعة المرض أو السلوك المرفوض. فالبعض يريد ترك عادة سيئة لكنه لا يستطيع مرة واحدة، ويحتاج إلى من يعلمه التدرج وممارسة خطوات متتابعة، لأن الترشيد ومقاطعة بعض السلع ذات السعر المرتفع وغيرها من العادات جزء من عملية تغيير القناعات، أي تغيير اجتماعي، وهو من أصعب أنواع التغيير.
لن نجد شخصا يرفض الترشيد ويدعو للإسراف، لكن العدد القليل هو من يمارسه. والترشيد أنواع ومستويات؛ فهناك فئات من الناس لا يمكن أن نطالبها بالترشيد لأن حياتها كلها خاضعة للترشيد بحكم إمكاناتها التي تمنعها من الإسراف حتى لو أرادت؛ وهناك فئات تمارس الترشيد بحكم البخل والتقتير، وبالتالي فلا علاقة لها بالترشيد، بل تحتاج إلى من يدعوها للإنفاق.
وهناك نوع من الإنفاق في رمضان محبب ومطلوب، ويجب التحريض عليه وتشجيع الناس للقيام به، وهو فعل الخير ومساعدة الفقراء، فقد كان الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، أجود ما يكون في رمضان، وكان عليه الصلاة والسلام في رمضان مثل الريح المرسلة في مجال فعل الخير، لأن الأجر والثواب في رمضان مضاعف إلى سبعمائة ضعف.
أما المسرفون من حيث الرغبة والقدرة فهم من يحتاجون إلى تثقيف في مجال الترشيد، وهم ليسوا من طبقة واحدة بل من كل الطبقات. فالإسراف يمارسه كل من يملك أن ينفق أكثر مما يحتاج. والترشيد ليس متعارضا مع الكرم وإكرام الضيف والإنفاق على العائلة. ولهذا، فإن الجهات التي تنظم الحملات المناهضة للإسراف، وهي جهات مشكورة وتقوم بعمل إيجابي، هذه الجهات تحتاج إلى أن تقدم للفئات المستهدفة برامج تفصيلية ووصفات بسيطة قابلة للتنفيذ، وتراعي مدى عمق الآفة لدى الأفراد والأسر، لأن كل شكل من أشكال الإسراف له وصفة وطرق تعامل.
ربما لا تستطيع جهة واحدة أداء هذا، ولهذا لا بد من التعاون بين عدة جهات وأطراف من مؤسسات المجتمع المدني والإعلام ورجال الدين والتربية والتعليم. وأيضا، فإن فكرة الترشيد ليست مرتبطة برمضان فقط، بل بكل المواسم والشهور. ولأننا مجتمع تكثر فيه الشكوى من الفقر وضيق اليد، فإن فكرة الترشيد أحد الحلول للتعامل مع الواقع.
المحرر: تسلم الزميل الأستاذ سميح المعايطة اعتبارا من يوم امس رئاسة التحرير في الزميلة "الرأي"، وبهذا يتوقف عن الكتابة في "الغد" اعتبارا من اليوم. نهنئ الزميل بموقعه الجديد ونتمنى له النجاح والتوفيق في خدمة الإعلام الأردني.
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
جريدة الغد صحافة سميح المعايطة العلوم الاجتماعية