هل يتوقف المثقفون يوماً عن ممارسة دور الباحثين عن خبز الآخرين، وهل كفوا عن اعتبار حلمهم بتغيير العالم من حولهم حلماً ميؤوساً منه، هل التفتوا خلفهم وتيقنوا من حقيقة الأشباح التي لم تنفك عن ملاحقتهم؛ كان احد كبار مبدعينا بحق قد صرف معظم حبر قلمه في وصف غرف التحقيق والمعتقلات وحينما مات قالت سيرته انه لم يستدعَ في يوم حتى لمخفر شرطة، كل مرة نتعثر وما أكثر عثراتنا! نكتشف حجم الهوة بين الادعاء والحقيقة ، ونكتشف حجم الفراق والقطيعة بين القوة والمعنى، بين سلطـة المعرفــة وسلطـة القوة وبين اكتشاف الحقيقـة واحتكارها.
واضحة كالغموض، هكذا وصف احدهم علاقـة السلطـة بالمثقف، وغامضة كالوضوح تلك السلطة التي يخترعها المثقف لنفسه ويتدثر بها؛ المشكلة المُرة تختصر أحيانا بكلمتين "اننا نعرف" وتصبح أكثر قسوة حينما تصل الى إدراك الآخرين حقيقة هذه المعرفة؛ أي اننا نعرف هذه العلاقة المملوءة بمناخات العالم الخفي وأسراره، المثخنة بالصفعات تارة وبالصفقات تارة أخرى، تبدو فيها علاقات تحطيم عظام وتحريق وتواطؤ أو تباهٍ، وهي ايضا علاقات لصياغة التغيير والتحالف الخلاق من اجل ميلاد الإنسان والمجتمع الجديد، وفيها ايضاً علاقات النبذ والعزلة والتهميش والاغتراب. وفي كل هذه الأنماط من العلاقات لم يتوقف المثقفون عن تقديم شهداء الموقف والمعتقد، ولم يتقاعسوا عن ممارسة دورهم كبناة حقيقيين لنهوض مجتمعاتهم وتغييرها نحو الأفضل، كما لم يكفوا عن تفريخ سماسرة الأوطان.
 يقال ان صناعة الحاكم هي "فن الممكن" وصناعة المثقف هي" فن ما ينبغي ان يكون". وطالما بقي المثقف حريصا على ان يسمعه الآخرون فهو سيمدح أو يهجو وسيصرح أو يلمح، وسيكتب "كليلـة ودمنة" "وطبائع الاستبداد" "والمقدمة" "ومعالم على الطريق" "ومن هنا نبدأ" وسيردد "لا تصالح" وسيبشر بأنشودة المطـر.
لكن الطموح بالتقاء النخب الحاكمة بالنخب المثقفة في الحالة العربية يبقى مشروعاً ومفتوحاً وليس مستحيلاً، على الرغم من فشل العديد من التجارب، فالحلم بجسر يوصل بين النخبتين من ذهب أو حتى من خشب كثيراً ما أمسى كابوساً يمتد على جسر من قش، المهم ان بناء الجسور وحده لا يكفي اذا لم تتحقق إرادة السير فوقها.
يقال بان المثقفين العرب في النصف الثاني من القرن العشرين وفي الوقت الذي كانت المجتمعات العربية بأمس الحاجة إلى جهودهم في التغيير قد ساهموا في انهيار الحكم المدني وفي ايجاد الأعذار لحكم العسكر وفي تسويغ النظم البوليسية والتسلطية، كان سعد الدين إبراهيم يردد بأن "المثقف العربي يجد نفسه وحيداً، ربما يصيح في البرية من دون ان يسمع صوته أحد، وربما يهيم في تيه البرية الى ان تخرج وحوش السلطة الكاسرة لالتهامه، فإذا التهم حقيقة اصبح شهيداً وإذا احتوي أصبح عميلاً، ولا أخال ان كل المثقفين العرب يريدون ان يكونوا شهداء، فهذا إغراق في المثالية والرومانسية، كما لا أخالهم جميعاً يريدون ان يكونوا (عملاء) فهذا إغراق في بخس قيمتهم ونزاهتهم".
في سنوات العقد الأخير تراجعت هذه النغمة ولم يتراجع المثقفون عن الاندماج في السلطة ولا عن العزلة عنها، الذي حدث ان جرعات الإحباط واليأس تجاوزت الممكن والمستحيل وعلى رأي سعيد تقي الدين، "ان هؤلاء المثقفين قد نضجوا حتى اهترؤوا". المشكلة الكبرى في وعينا في هذا الجزء من العالم ان هذه الفئة لم تفسر الواقع ولن تغيره لأنها بعيدة عن الناس عن التفاصيل الصغيرة والدروب  بعيدة ومريضة وأهم أعراض هذا المرض انها تفتقد الثقة بكل شيء، ربما كانت أحوال روسيا تشبه أحوالنا اليوم حينما وصف ديستويفسكي الحال قائلا: "اقسم يا سادة ان شدة الوعي هي مرض، ومن يستطيع ان يفخر بمرضه، وفيما يتعلق بنا نحن الذين نفكر وبالتالي لا نفعل شيئاً فإننا نادراً ما نثق بأنفسنا". المشكلة في كل الأزمان أنهم يعرفون ولا يفعلون شيئا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد