يبدو ان استمرار حوادث التسمم والتلوث ليس من الحظ العاثر للحكومة السابقة فقط، بل ثمة أسباب وتحولات موضوعية تستدعي الانتباه مبكرا اليها؛ تتعدى القراءات السطحية، وتداعيات النكاية السياسية، هناك تحولات تنال بنية الكتلة الحيوية للدولة في عناصر السكان والموارد وإدارة العلاقة بينهما، هذه التحولات ليست وليدة اليوم وليست في مجملها محلية، بل فيها الكثير من غبار الإقليم ورماده، وفي ضوء هذا تقرأ مصادر التهديد الجديدة التي تهدد نوعية الحياة في الأردن، والمصادر الأخرى التي يتم إعادة انتاجها بفعل الظروف الجديدة.
في الوقت الذي تزدحم فيه خطابتنا المحلية بالحديث عن ثقافة الجودة وسُبل ترسيخها في التعليم والخدمات والصحة والبنى التحتية وغير ذلك، تزداد المؤشرات الكيفية الدالة على تراجع جودة الحياة بشكل عام، أليس الهدف المركزي لسياسات التنمية والتغير هو نوعية الحياة؟ أي حياة معافاة طويلة كريمة من دون مصادر تهديد يومية ترفع سقف التوقعات السلبية بالتعرض لها لدى قواعد عريضة من المجتمع؛ كل اولئك الذين يذهب أطفالهم كل صباح الى المدارس، وكل اولئك الذين يضطرون الى تناول وجباتهم في المطاعم العامة، وكل الناس الذين يشربون من الشبكة العامة للمياه، كل اولئك أصبح سقف التوقعات السلبية مرتفعا نحو تعرضهم لتهديدات تنال نوعية الحياة.
شهدت السنوات الأخيرة زيادة قسرية في عدد السكان بسبب الظروف الإقليمية المحيطة التي يتحمل المجتمع الدولي المسؤولية الأولى فيها، ما زاد بشكل واضح من الضغط على الموارد المحدودة التي لم تشهد نموا حقيقيا يواكب حتى الزيادة الطبيعية المفترضة، ومن الضغط على البنى التحتية ومصادر استمرار الحياة، الأمر الذي اخذ يكشف بوضوح عمق الفجوة التنموية التي دفعت نحوها سياسات الاندماج السريع في العولمة الاقتصادية من دون ان يصحبها تطوير خيارات استراتيجية تنموية وطنية ذات استقلالية تحسب حساب الأجيال الراهنة قبل الأجيال القادمة التي أصبحت خياراتها المستقبلية محدودة فوق هذه الأرض، إذا ما استمرت الظروف الحالية كما هي في هذا الوقت.
زيادة الضغط على الموارد بالتزامن مع ارتفاع كلف الحياة بسبب توالي حدة ارتفاع أسعار السلع الأساسية، تنقل الفئات العريضة من المجتمع الى نمط من الاقتصاد السلعي القائم على سد الحاجات اليومية الأساسية من أردأ الأنواع ، وتكتفي الأسر بالبحث عن سد حاجاتها اليومية بالكفاف من سلع وخدمات كانت في السابق ترفضها الأسواق، لأن معيار القدرات الشرائية عادة ما يحدد خصائص أجندة بضائع التجار، في هذا الوقت أخذت مظاهر جديدة تتعمق في سلوك السوق أهمها افتقاد المناعة فيما يعرض للناس من سلع وخدمات تفتقد ابسط معايير الجودة، ما دام هناك من يقبل عليها تحت وطأة جنون الأسعار وزيادة الطلب.
يعمل ضغط الموارد مع انخفاض مستوى كفاءة إدارة المتاح منها على المزيد من تضاؤل هذه الموارد التي تعاني في الأصل من الندرة، وبالنتيجة فان المتاح أمام الأسر والأفراد من الطبقات العريضة يصبح محدوداً، وبالنتيجة تلجأ هذه الطبقات إلى الرضا بالرديء من السلع والخدمات، بل وتبحث عنه، وفي هذه الظروف تنتعش قطاعات للرداءة أحياناً تمارس نشاطها بانتهازية مكشوفة، وأحياناً نتواطأ جميعاً في خلق ثقافة تتستر وتحجب ما يحدث حولها.
في خط مواز مع هذه التحولات يزداد الضغط والاستهلاك الجائر للنظم البيئية المحلية بأبعادها المختلفة، نتيجة الاستهلاك الجائر للبنى التحتية وسوء إدارتها وتحميلها فوق طاقتها، وللأسف فإن إمكانية رسم سيناريوهات لاحتمالات مسار التدهور في النظم البيئية المحلية يعد من اعقد الأمور، في الخلاصة فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في جوهر الانفتاح الاقتصادي وان وجدت بعض ملامحه في الظروف القسرية والزيادة غير الطبيعية في السكان، بينما تكمن البؤرة المركزية في إنتاج رداءة الحياة في ضعف كفاءة إدارة الموارد قبل أي شيء آخر.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد