قد يشكل الإعلان الرسمي عن عام للإسكان والتعمير على الأبواب إدراكا مبكرا أو لاحقا لحجم التحولات التي شهدها هذا القطاع، والتي أثرت بشكل عميق في قدرات فئات عريضة من المجتمع على توفير السكن لعشرات الآلاف من الأسر التي تنمو بشكل عشوائي على هوامش العاصمة والمدن الكبرى، وفي قلب البلدات والقرى الرثة والمهمشة في أقاصي البلاد وضواحيها، في حين لا يمكن إغفال الحمولة السياسية لهذه التحولات، وما تثيره من مخاوف حمالة لأوجه عديدة.
مرة أخرى، تقع الاولويات التنموية ضحية غياب الحد المعقول من الشفافية وعدم الوضوح السياسي، وهو ما يحدث في هذا الوقت بين ضرورة وطنية لها مبررات موضوعية تتطلب تدخلا جريئا من قبل الدولة وأجهزتها التنفيذية للمساهمة في توفير السكن الملائم لفئات عريضة من ذوي الدخل المحدود؛ وهم جل المجتمع الأردني، وتهيئة بيئة محفزة للاستثمار في هذا القطاع الذي يستهدف تلك الفئات وخلق حالة توازن تخفف من حدة الاختلالات القاسية التي حدثت في طفرة الأبراج ومشاريع الفلل والقرى الإسكانية الباذخة التي لا يستطيع معظم أبناء المجتمع الاقتراب منها، بل يتابعون أخبارها بدهشة وريبة وبمشاعر لا تخلو من النقمة أيضا.
الأرقام المرتفعة والمعلنة عن الاستثمارات العقارية في الأردن، التي وصلت هذا العام الى حدود ثلاثة مليارات ونصف مليار دينار، تخدم طبقة رقيقة جدا، ولا يمكن القول انها تساهم بالعجلة الاقتصادية اليومية المتعلقة بمستويات المعيشة وأوليات التنمية والتحديث أو عدالة التنمية والأخيرة هي اليوم احد أهم مصادر الاستقرار الحقيقي والأمن وأيضا.
يبدو التوجه الرسمي إذا ما خلصت النوايا مبررا وضروريا ويشكل محاولة لاحقة لتفادي تحولات متوقعة بعد تحرير ما تبقى من أسعار المحروقات والطاقة، حيث من المتوقع ان يشهد العام الموعود رأس الموجة العالية في كلف السكن والإنشاءات. ومن المنتظر ان يتجاوز طن الاسمنت الواحد 150 دينارا قبيل منتصف العام القادم علاوة على كلف المدخلات الأخرى التي تعاني من احتكارات وميول انتهازية يمارسها السوق، يضاف ذلك الى الاختلالات المعروفة، التي أوجدتها الزيادة القسرية في عدد السكان بحوالي 15% بسبب الهجرة العراقية، الى جانب التأثيرات الواسعة والعميقة للفوائض النفطية، وما جاءت به من نمط وحيد من الاستثمارات التي لم تقدم قيمة حقيقية مضافة للاقتصاد الوطني.
في هذا الوقت، تأتي تحذيرات قوية لها مبرراتها من ممارسات في هذا القطاع تصب في مشاريع التوطين، وهو الوجه الثاني لتفسير هذا الملف. وتضع هذه التحذيرات بعض السياسات الحكومية الجارية والأخرى التي يخطط لها في سلة التحولات الإقليمية، وما ينتظرها من صفقات علنية وسرية؛ إذا ما علمنا ان مرحلة التفاوض على الملفات النهائية للتسوية السياسية قد بدأت فعليا وربما وزعت الأدوار، وذهب كل طير برزقه.
في هذا السياق تأتي القيمة التحليلية لتحذيرات - أطلقها بعض النواب في جلسات الثقة مؤخرا- من تغيرات جارية في المخيمات الفلسطينية في عمان وجوارها، منها بناء وحدات إسكانية جديدة وتغيرات أخرى يجري الحديث عنها تنال بنية المخيمات وشكلها، ما يؤول الى إنهاء الشكل والمضمون السياسي التاريخي للمخيمات الذي حافظ على وجودها شاهدا على قضية اللاجيئين، وحقهم في العودة. وعلى الرغم من نفي الحكومة الحازم والسريع لهذه التحذيرات فإن أوضح ما في هذا الأمر الغموض الذي يبرر الخوف من إجراءات ناعمة وبطيئة في إحداث وقائع جديدة على الأرض.
الوجه الثالث، يحذر من توظيف الرغبة الرسمية في إحداث التوازن في هذا القطاع المغري لمصلحة وكلاء الفوائض النفطية ورجال الأعمال الجدد؛ مرة أخرى، وبصورة أكثر قسوة حينما تتغطى هذه المصالح التي تثير الجدل بغطاء الشرعية الرسمية، وحينما تلبس لبوس التنمية وحاجات الفقراء، بعد ان أصبحت هذه الفئة من أصحاب المصالح ممثلة في الأجهزة التنفيذية والمؤسسة التشريعية أيضا.
مثال النقاشات التي تثار في هذا الوقت، من قبيل قطاع الإسكان والعقارات وتداخلاته في مسائل عدالة التنمية وحرمان الفئات العريضة من المجتمع وقصص العشوائيات والفلل الباذخة، والتوطين وتغيير شكل المخيمات ووظيفتها التاريخية، والصفقات الإقليمية، والاستثمارات المشكوك في قيمتها الحقيقية والثراء السريع، كل هذه الوجوه من التفسيرات معناها غياب الوضوح والشفافية، أي غياب نظام اتصالي وإعلامي معافى يصبح الناس من خلاله شركاء في الوطن، يتحملون ثمن الحقيقة ونتائجها، وغير ذلك لا يعني عشوائيات المدن وبؤس القرى البعيدة وحسب، بل عشوائيات أخرى في الوعي وبؤس في الإدراك.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد