يشكل الجدل الدائر حول التشكيلات الأمنية التي أوجدتها العشائر العراقية بدعم قوات الاحتلال الأميركية، وبموافقة شبه مكرهة من قبل الحكومة العراقية احد الأمثلة الدالة على مسار التحولات السياسية والأمنية ومستقبلها في الوقت القريب، حيث تطرح الظاهرة الأمنية السياسية لما يسمى مجالس "الصحوة العراقية"، تساؤلات حقيقية حول مدى جدية مسار إعادة ترميم بنى الدولة الوطنية العراقية وحجم الفرص المتبقية لاستمرارها، في ضوء التناقضات وفوضى المسارات السياسية والأمنية التي تزداد تعقيدا رغم ما تشير إليه من انفراج للوهلة الاولى.
من الناحية النظرية، يعد مشهد التنازع على مستقبل "مجالس الصحوة" أحد الأمثلة القوية على الكيفية التي تستثار بها البؤر الخلاقة للتوتر، ومثالا للكيفية التي توظف القوى الاجتماعية سياسياً في تعميق الانقسامات المذهبية بتعبيراتها السياسية، وخلق المبررات على الأرض لإعادة إنتاج الصراع وتوفير تعبيرات سياسية ذات عمق اجتماعي لهذا الاستقطاب الحاد، في المقابل كان من الممكن إن تشكل مجالس الصحوة نموذجاً للدمج الاجتماعي السياسي البناء والخلاق للقيم المشتركة في بيئة تعاني من التمزق الاجتماعي والسياسي في الأصل، ولديها خبرة حديثة قاسية ومريرة في هذا الشأن، وذلك من خلال توازنات ناعمة وسلسة تستفيد من منظور بناء الثقة في حالات الصراع السياسي الاجتماعي التي طالما كُتب حولها مئات الدراسات النوعية في الغرب نفسه.
من الممكن ان تشكل هذه المجالس أحد مداخل بناء الثقة لو أخذت بمنظور إعادة بناء الدولة الوطنية العراقية بهدف الوصول للنموذج الديمقراطي التوافقي، وذلك يعتمد على مسار من الإجراءات التي تعزز الاعتماد المتبادل، ما يعيد بناء الثقة بين الأطراف بالتوازي مع إعادة توزيع القوة والسلطة والثروة في المجتمع توافقيا بالعدل الذي قد لا يعني المساواة في كل الاحوال.
كانت سلطات الاحتلال وبموافقة شبه مكرهة من الحكومة العراقية دعمت العشائر العربية السنية على تشكيل تنظيمات شبه عسكرية مسلحة، استهدفت تنظيم القاعدة في المحافظات التي تسيطر عليها حيث فشلت في ذلك كل من القوات الأميركية والجيش العراقي الجديد وقوات الأمن التي دربت في كنف الاحتلال، بينما استطاعت قوات مجالس الصحوة، حسب رأي الكثير من المراقبين، محاصرة تنظيم القاعدة وطرده من العديد من المواقع المركزية وخفض مستويات العنف، بينما تتردد أخبار أخرى تحكي عشرات القصص تتحدث عن كذبة الاستقرار وعن مآسي تلحق بعشرات الأسر التي هجرت من المدن والقرى، وأوهمت بالعودة ولاقت مصيرها المفجع.
في هذا الوقت تتنامى في أوساط الحكومة العراقية، التي يسيطر عليها تحالف شيعي، مخاوف من تنامي ظاهرة الصحوة وترفض بكافة الأشكال التعامل الايجابي معها ولو من منظور سياسي تسهم من خلاله الحكومة باستيعاب عناصر هذه التشكيلات التي وصل عددها نحو 70 ألف عنصر؛ أي استيعابها في الجيش والقوى الأمنية بعيدا عن التخوف من تعبيرات سياسية باتت تلوح في الأفق أهمها تحول هذه القوة إلى حزب سياسي.
لا يمكن القفز عن الواقع بهذه السهولة، فالوقائع التي كرسها العنف الطائفي تحت وصاية الاحتلال تؤكد من دون شك بأن استراتيجية تسليح العشائر العراقية مغامرة خاسرة في حسابات مستقبل الدولة العراقية إذا ما تركت لمصيرها في حلبة الصراع والاستقطاب المدمرين، وهي في المحصلة تأسيس لجيل جديد من الفاعلين في دائرة العنف والحرب الأهلية ومدها بأدوات أخرى، أي صب زيت جديد على نار مشتعلة لا يراد لها ان تطفئ.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه ضمير العالم من يصحو أولا من الغفوة العراقية القاسية يحتاج الموقف مراقبة متفحصة لما ستؤول إليه هذه التنظيمات بعد ان ازداد الموقف الاستراتيجي الأميركي وضوحا نحو الإقامة طويلة الأمد، وهي الحقيقة التي تم التعبير عنها بوضوح في الاتفاق الأخير الذي حدد مستقبل وجود القوات الدولية، وأسس للوجود الدائم للقوات الاميركية، الذي سيصحو أولا هو كل من يتمسك بالدولة الوطنية العراقية وبسيادتها الحقيقية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد