اللحظة التاريخية التي قد لا يتم اختيارها بشكل قصدي، لكنها ولاسباب كيمائية غامضة ومطلسمة تقود الى نقلات تاريخية ومفصلية عند بعض الشعوب. لتصبح مثل هذه الحادثة أو مثل هذه اللحظة التي تكون على الأغلب فردية، هي القشة الحقيقية التي قصمت ظهر البعير، وولدت كل هذا النقلاب في الشارع الجماهيري والسياسي.

وبغض النظر عن الفقهيات الدينية التي تجرم فعل الانتحار وتكفر صاحبه، فقد كان قيام «البو عزيزي» التونسي بائع الخضار الذي تمت مصادرة عربته، بحرق نفسه وسط الشارع التونسي، في لحظة تاريخية، كانت تمتلك قدرة تثوير الشارع التونسي، لتقود هذا الشعب الى ثورة عارمة استطاعت ان تسقط الدكتاتور زين العابدين، وتزلزل مقعده الرئاسي، لتولد ثورة عربية لم تتوقف عند تونس بل انتقلت الى مصر وليبيا واليمن وسوريا.

انها اذن الاختيار العفوي للحظة تاريخية مفارقة، تحدث في توقيت معين، وتكون لها القدرة الفعلية على اشعال مفاصل التاريخ وزلزلة أركانه.

لكن الحمق الجماهيري والدهمائي عند البعض جعله يعتقد وبغباء في فهم حركة التاريخ وتعقيداتها، أنه يمكن لبعض الافراد اعادة انتاج مشهد حرق الجسد في ساحة أو شارع يمكن له أن يُحدث مثل هذا الانقلاب، متناسين أن فكرة الاستنساخ لهذه الحادثة قد تجعل الجماهير تنتفض على تاريخها، وتحدث ثورة جماهيرية عارمة كما حدث في تونس.

والطريف أن العديد من الشبان العرب في القاهرة واليمن والسودان وفي الاردن قاموا بالاعلان عن حرق انفسهم وسط الناس الا ان حداثتهم الانتحارية هذا انتهت عند حدود الدفاع المدني. ولم يحصلوا الى على مساحة مستطيلة وذيلية في الشريط الاخباري الذي تبثه الفضائيات.

والحال ان ما فات على هؤلاء المقلدين لحادثة البوعزيزي، أن التاريخ المعبأ حتى حلقه بالجرائم والقمع ومصادرة الحريات ونهب اموال الشعب، يبدو احاياناً وكأنه في حالة غباء لا تصدق، لكنه وفي لحظة من لحظاته البسيطة يقلب المُجن ويزلزل كل ماهو قائم، وهذه اللحظة كانت تتمثل في اقدام بائع خضار سلبت منه عربته التي يضع خضاره عليها، وقام بحرق نفسه فتحول جسده الى شرارة امتدت لتحرق الأخضر واليابس في الوطن العربي.

انها كيمياء التاريخ.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور