تعودنا على نعي الجامعة العربية، وإعلان موتها كلما تحركت خطوة وذكرتنا بوجودها. وكلما جددنا إعلان الموت ننسى كم مرة ألقينا بمبناها العتيد في وسط القاهرة بمياه النيل على طريقة بعض المثقفين المصريين بعد نقل مقر الجامعة في نهاية السبعينيات. يأتي ذلك على خلفية الحراك النشط الذي يديره الأمين العام للجامعة بما يملكه من كاريزما وخبرات بين بيروت والعواصم العربية الأخرى وسط مربعات الصراع والبؤر الساخنة.
العودة إلى الجامعة العربية؛ كما تبدو في صيغة إنقاذ كرسي الرئاسة اللبنانية تدعو إلى التبصر في مصير هذه المؤسسة، وكيفية استعادتها وفق صيغة جماعية للقيادة، فرغم عدم التفاؤل لدى الكثيرين وقناعتهم المسبقة بأن جهود عمرو موسى سوف تؤول إلى الفشل، كما كان مصير المبادرة الفرنسية التي حشدت خلفها فرنسا كل قدراتها الدبلوماسية والسياسية، إلا أن ثمة معطيات أخرى تشير إلى ان نهاية اللعبة اللبنانية الراهنة قد اقتربت، وان اللحظة السياسية مواتية لامين الجامعة العربية للقيام بالمهمة، وهذا ما يؤكده الحراك السياسي الذي شهدته العاصمة المصرية قبيل اجتماع وزارء الخارجية العرب، والذي دار على محور خط طيران مباشر بين القاهرة ودمشق سافر عليه مسؤولون إيرانيون وسعوديون ومصريون وخليجيون على مدى أسبوعين، وفي الخلاصة وصل الأمر إلى صيغة المبادرة التي يحملها الأمين العام في هذا الوقت، والداعية كما هو معروف إلى انتخاب ميشيال سليمان رئيسا للجمهورية والاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية وصياغة قانون جديد للانتخابات.
المسألة لا يمكن اختصارها في عودة شاكر العبسي وتهديداته بالرجوع إلى دراما نهر البارد وتهديد الرئيس اللبناني المنتظر على طريقة دوامة الخوف اللبنانية، ولا ينظر إليها من زاوية التحرش البحري بين البوارج الأميركية والإيرانية في عرض الخليج العربي.
اللحظة السياسية الراهنة تشير بقوة إلى نهاية فصل من اللعبة اللبنانية بينما الطريقة التي سينتهي بها هذا الفصل يحددها مدى نجاح دور الجامعة العربية وأمنيها، وبالقدرة على التشبيك بين المصالح الإقليمية والدولية وتوسيع قاعدة تجزئة القوة، وهو ما يحدث في هذا الوقت.
كان السوريون، خلال فصول الأزمة اللبنانية، يرددون أن الحل في إجماع اللبنانيين في محاولة دائمة للتغطية على الآراء التي تذهب إلى أن مفاتيح الأزمة في دمشق، بينما الأطراف الإقليمية تدرك صعوبة الوصول إلى صيغة بعيدا عن المعادلة الصفرية، أي ان الحل خسارة لأحد الأطراف ما جعل عمر الأزمة يطول، كما كان يحدث بالأمس فمفاتيح الأزمة اللبنانية في إجماع إقليمي ودولي ينعكس في بيروت.
ولا يمكن الذهاب نحو الإفراط في الخيال السياسي حول الدور الذي يمكن ان تقوم به الجامعة والأمين العام، الذي لن يتعدى دور حمل المبادرة بين الأطراف وحشد القوة خلفها من خلال توسيع قاعدة صُناعها، وهو الأمر الذي يصنع التوافق. وفي الحقيقة هذا هو الدور الجديد للمنظمات الدولية والإقليمية، والذي يرتكز على استغلال اللحظات السياسية وتوظيفها بضمان توزيع المصالح التوافقي.
إلى وقت قريب، يقدر المراقبون فرص الانتقال من حالة الجمود على الجبهة السورية الإسرائيلية بأوزان متكافئة؛ بين الانجرار إلى حرب إقليمية قادمة تعيد تصنيف المواقف والأدوار والأوزان، وبين تسخين جبهة المفاوضات والعودة إلى مسار التسوية، وعلى الأقل إنجاز فك اشتباك مرحلي في المصالح بين سورية وإيران، وتحييد الأولى عن آليات التعامل المستقبلي مع الملف الإيراني، مع أن وجهة النظر الأكثر رواجاً بعد ما آلت إليه الأحوال الفلسطينية وسيطرة حماس على غزة، تجعل فرص اتساع الملعب السياسي أكثر حضوراً، وتجعل جاذبية الملف السوري هي ميدان الرحب للمناورة السياسية القادمة، ولعل الملف اللبناني الأقرب والأكثر حساسية للقياس عليه.
اختبار الجامعة العربية في ملف الرئاسة والأزمة اللبنانية أمامه فرص موضوعية، وسيمنح الجامعة والنظام العربي فرصة لالتقاط الأنفاس بعد التراكم الكبير من الإنهاك والعجز الذي شهدته الجامعة والنظام العربي، خلال السنوات الأخيرة. ويجب أن نتذكر بأن النظام العربي هو الذي حمى لبنان من تغول إسرائيل؛ ألم تكن لبنان الحلقة الأضعف في الصراع العربي الإسرائيلي؟ ألم يرفض عبد الناصر إدخال لبنان في حرب حزيران والحروب النظامية الأخرى مع إسرائيل، وكان ينأى به عن الصراع ولم يستخدمه أداة او ورقة في إدارة الصراع؟ ويجب ان نتذكر بأن النظام العربي هو الذي أنقذ لبنان من الحرب الأهلية أكثر من مرة وأعاد اعماره أكثر من مرة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد