تثير الدعوة التي أطلقها مجموعة من الناشطين والمثقفين الأردنيين للمطالبة باستعادة مسلة الملك المؤابي ميشع الموجودة منذ قرن ونيف في متحف اللوفر في باريس الكثير من الشجون! فعلى الرغم مما تطرحه هذه المطالبة من طموح حالم قد يبدو لدى البعض غير واقعي فإنها تضع اليد على ملف هام تكمن فيه أغلى قيمنا المعنوية التي تشكل جانبا هاما من الهوية الوطنية، وهو ملف حماية آثار الأردن التاريخية وتراثه في الداخل أولا، والاعتراف بحقنا الوطني باستعادة ما نهب وأهدي وسرق في الماضي.
يفتح هذا الملف الحديث بقوة حول واقع أحوال البيئة الأثرية والتراثية في الأردن وما تحتاجه من إسعاف سريع، وهذا لا يقلل بأي شكل من جهود دائرة الآثار العامة وإنجازاتها ولا يعفيها من المساءلة والمطالبة بأجوبة شافية؟ فلقد آن الوقت لإعادة النظر في قانون الآثار العامة، الذي لا زال يعرف الأثر بما يعود فقط الى عام 1700، ويتجاوز مراحل هامة من تاريخ البلاد وتراثها، ويساوي بين الاثاريين الأردنيين والأجانب في البحث والمسوحات والتنقيب، وعمليا على ارض الواقع تذهب التعليمات والإجراءات لصالح بعثات الآثار الأجنبية والباحثين الأجانب على حساب الباحثين الأردنيين، كما سمعت من عشرات الباحثين.
ولعل هذا الواقع يدعو الى ضرورة التفكير جديا بإنشاء مجلس وطني للآثار والتراث يعيد مأسسة إدارة التراث الوطني وحمايته وسبل الانتفاع منه واستدامته بالاستفادة من الخبرات الأردنية وتوسيع قاعدة اتخاذ القرار في هذا المجال الحساس والهام.
ميشع يحن للوطن كما هي حال المئات من الوجهات والتماثيل والآثار الأردنية في الخارج، التي هُرِّبت أو سُرقت أو أهدُيت منذ عهد العثمانيين إلى اليوم ولم تخرج بطريقة شرعية. ويجب المطالبة باستعادتها فالشرعية الوطنية أقوى من أي مبرر يساق في هذا الشأن.
لم يتوقف تهريب الآثار؛ هناك تجارٌ على المستوى الدولي ينشطون في مواسم ولهم وكلاء، ومؤخراً ظهرت لمرات آثار أردنية على مواقع لمزادات الآثار العالمية على شبكة الانترنت. هناك قصص حديثة وليست أثرية تدعو إلى التوقف، منها على سبيل المثال قصة احد الدبلوماسيين الغربيين الذي قبض عليه يتاجر بقطع أثرية مصرية في لندن، وتمت مطاردته حتى حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، وتبين ان هذا المستشار ينتمي إلى مافيا دولية يقودها مطرب إنجليزي شهير متخصص بالتهريب والاتجار بآثار الشرق الأوسط ومنها الأردن.
نتساءل، أيضا، عن المعرض أو المتاحف المتنقلة التي تنظم لعرض آثار أردنية وبعضها لا يعود، وآخرها المعرض الضخم الذي نظم حول مدينة البتراء مع جامعة سنستاني، وتم المتاجرة بعرضه في أكثر من مكان، ولا زالت مئات القطع الأثرية الأردنية التي لا تقدر بثمن في كندا لم تعد إلى اليوم.
أما الآثار التي أخرجت في الفترات السابقة فلا يوجد لدينا حتى توثيق واضح وإحصاء بأعدادها وأماكن وجودها سوى الأمثلة الشهيرة وأهمها؛ واجهة قصر المشتى احدى أهم روائع فن العمارة الإسلامية عرضها (33) متراً بارتفاع (5) أمتار نقلت من موطنها الأصلي في الصحراء الأردنية إلى برلين بعد ان أهديت من آخر السلاطين العثمانيين إلى القيصر فيلهام الثاني، وشكلت نواة متحف برلين للفنون الإسلامية؛ تصوروا واجهة معمارية بهذه الضخامة والروعة تنقل حجراً حجراً من موطنها عبر الموانئ والسفن ويعاد تركيبها من جديد بعيدا خلف مساحات شاسعة، كما هي حال مسلة ميشع الشهيرة التي وجدت في ذيبان توجد اليوم في متحف اللوفر الفرنسي والتي تخلد جانباً من أهم فصول تاريخ الأرض الأردنية ومقاومتها للأعداء، في المتحف نفسه توجد مسلة شيحان التي تعود إلى العصر البرونزي المتأخر في الأردن، وتنتشر في المتحف البريطاني والمتاحف الاسترالية عشرات القطع واللقى الأثرية من الأردن من بينها أقدم منحوتة حجرية مكتشفة في الشرق الأدنى القديم تعود إلى الفترة النطوقية هربت من الأردن، وتوجد اليوم في المتحف الوطني الاسترالي، وتنتشر العديد من التماثيل الأردنية القديمة وعشرات اللوحات الفسيفسائية من جرش وأم قيس ومادبا في المتاحف البريطانية والألمانية والأميركية والاسترالية.
أما الآثار النبطية المهربة والمسروقة فحدث بلا حرج؛ بدءاً من حفريات (نيلسون جلوك) في ثلاثينيات القرن الماضي التي هربت عشرات التماثيل والقطع الأثرية والنقوش وصولا إلى التجار الجدد حيث تنتشر آثار حضارة الأنباط اليوم في متاحف الجامعات الأميركية في بال وبنسلفانيا وسنستاني، وفي مستودعات التجار وصالات العرض، وأخيرا بالمزاد على شبكة الانترنت!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد