تحتاج المرحلة الرمادية المريرة التي تعيشها غزة هذه الأيام الى أدوات أخرى للتحليل والفهم، ليس على مستوى المنظور الإسرائيلي والأميركي في إدارة شؤون قطع الكهرباء والعتمة، بل على مستوى أدوات تحليل مواقف الاطراف على الجانبين الفلسطيني والعربي، والآليات التي تتبع لتوظيف هذه المواقف والتفاعلات لخدمة أهداف مناقضة لمقاصدها المعلنة؛ أي التخبط الفعلي في العتمة.
وهذا يدعو للبحث عن إجابة سؤالين جوهريين بعد تمرين الإعتام الذي مارسته اسرئيل في الأيام القليلة الماضية وستعود اليه وأكثر قريبا، اولهما هل نحن أمام تحلل قريب للنخب الرسمية الفلسطينية على طرفي المعادلة الصراعية الداخلية، وأمام لحظة انكشاف تاريخية ستنتهي بإزاحة، ربما دراماتيكية، للنخب في غزة ورام الله معا أو تباعا، بعدما وصل الشعب الفلسطيني الى حالة من اليأس والإحباط لم تُبق ما يخشى عليه.
إسرائيل هي الأكثر إدراكا وقربا ومراقبة للداخل الفلسطيني، وهي المعنية بالتعجيل بهذه النتيجة كي تؤثر بمسار الأحداث فيما بعد، فمن الواضح ان حالة الأيام الرمادية الراهنة لن تستمر طويلا في خدمة مصلحة شراء الوقت وفرض التسوية النهائية الأحادية، بهذا يُفسر إدراك صانع استراتيجية فرض الرؤية الإسرائيلية للتسوية بضرورة تعجيل ما لابد منه.
السؤال الثاني الذي يدفع نفسه بقوة، هل تغيرت معادلات الأمن العربي بهذه القوة، ألم تكن غزة خط الدفاع الأول عن مصر؟ هناك أكثر من اتجاه لفهم موقف مصر من تردي الأحوال والواقع الراهن في القطاع، في ضوء اقتحام معبر رفح قبل يومين وما أثاره من تداعيات؛ منها رأي يقول ماذا تعني اتفاقية المعابر؛ أي ان مصر ألزمت نفسها بموجب اتفاقية مع الجانب الأوروبي ولا تستطيع فتح المعبر إلا بحضور مندوب من الجانب الأوروبي وبمراقبة إسرائيلية، مع ان المعبر يقع على أراض مصرية ويمثل جزءا من السيادة المصرية، كما كان يردد طلبة جامعة القاهرة في احتجاجهم على حالة غزة، وكما ان ما يحدث في غزة يمس الأمن الوطني المصري بالدرجة الأولى ودورها الطبيعي في مجالها الحيوي الذي طالما مارسته عبر حقب تاريخية طويلة.
ورأي آخر يرى ان ما يطلب اليوم من مصر لا يخدم لا المصالح الفلسطينية ولا المصرية، ووفق هذا الاتجاه لا يعني فتح المعبر، واختراق حالة الحصار إلا دفع الغزيين لاجتياح سيناء وحينها تصبح المشكلة بين الفلسطينيين والمصريين وهذا ما تريده إسرائيل، ويرفض هذا الاتجاه تشبيه هذا التفسير بما يردده أبو مازن في تحميل صورايخ غزة مسؤولية حالة اختناق غزة.
إسرائيل تتعامل مع القطاع كمنطقة معادية، وتعترف أحيانا وأمام الرأي العام الدولي بأن القطاع لم يعد منطقة تحت الاحتلال تتحمل مسؤولية احتلاله، بينما ما تزال تعد عملية الانسحاب التي تمت في صيف 2005 من دون اتفاق مسبق ومن قبل طرف واحد، واحدة من أكثر لحظات الصراع والتسوية غموضا، بينما لم تخدم ظروف الاقتتال الفلسطيني والتعاطي الرمادي من قبل دول معسكر الاعتدال العربي البناء السياسي والاستراتيجي في غزة ما جعل رقاب الغزيين تحت مقصلة إسرائيل في أي لحظة تشاء. ولعل موضوع الكهرباء واحد من الأمثلة الدالة على هذا الوضع حيث يعتمد قطاع غزة على إسرائيل بشكل شبه كامل ولا يصلها من مصر إلا ما يقل عن 17% من احتياجات القطاع، وهو ما يعود بنا الى عملية(أمطار الصيف) المماثلة التي أقدمت خلالها إسرائيل بضرب محطة الكهرباء الرئيسية في جنوب غزة ونشرت العتمة والظلام في أكثر من نصف القطاع، ونتج عن ذلك حرمان حوالي سبع مائة ألف فلسطيني من الطاقة الكهربائية، وما ترتب عليه من توقف ضخ المياه، وتعطيل عمل المستشفيات والخدمات العامة وقطاعات التشغيل الإنتاج.
بينما يواجه الاقتصاد المحلي الفلسطيني احتمالية انهيار واسع خلال أسابيع أو شهور قليلة مقبلة من هذا العام، تزداد الهوة والتشدد ويزداد تأثير الاشتباك الإسرائيلي والإقليمي في خدمة استمرار تردي الأحوال ليس على المستوى السياسي، فهذا أمر أصبح تحصيل حاصل، بل على المستوى الإنساني الذي سيصنع واقعا سياسيا جديدا.
العتمة التي نامت عليها غزة الأيام الماضية وستنام عليها ليالي طويلة أخرى لن تضيء الطريق أمام التسوية، بل أضاءت الطريق أكثر لمعرفة الحقيقة؛ التي تتلخص في تدمير فكرة الدولة الفلسطينية، التي يكتب في هذا الوقت الفصل الأخير منها بين الذين يديرون شؤون العتمة وبين اولئك الذين يتخبطون وسطها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد