لا توجد أدلة واضحة على جدية أطراف معادلات السياسة والعنف في العراق على إنهاء ملف رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر والمليشيا المساندة له، فلقد تكررت على مدى السنوات الماضية موجات مشابهة من العنف والعنف المضاد لم تخلف إلا الضحايا واستمرار الأمر الواقع، وفي الوقت الذي يشكل فيه التيار الصدري قوة كبيرة من المنظور الاستراتيجي ليس من السهل ان يُنال منها في معركة سريعة، فإن هذا التيار استفاد من تحولات الولاءات في الساحة العراقية واستمد قوته من تناقضات العراق الجديد وفوضى توزيع القوة والسلطة.
خلال الأيام القليلة الماضية عاد القتال بين الجيش العراقي الجديد وقوات مليشيا جيش المهدي الى البصرة مجددا. وبالمناسبة، فقد شهدت البصرة ظهور أول كتيبة مسلحة من هذه المليشيا علنا عقب الاحتلال بشهور قليلة في عام 2003، وفي البصرة منيت قوات الطرفين بخسائر فادحة ثم اخذ القتال يمتد نحو بغداد، حيث مدينة الصدر التي تشكل المعقل التاريخي لهذا التيار وأنصاره ، وبينما يستمر الاقتتال من دون نهاية واضحة أو نية لحسم الموقف من قبل قوات الاحتلال التي سارعت الى مساندة الجيش العراقي الجديد للحيلولة دون ان تلحق به الهزيمة، فإن قصة المليشيات في العراق بدأت كأداة في يد أطراف المعادلة العراقية الدوليين والاقلييمين ويبدو ان هذه المهمة لم تنته بعد ، ولا نتوقع نتائج جديدة من المعارك الجارية.
شكل التيار الصدري احد النماذج البالغة التأثير في ثلاثة محاور أساسية، أولا : دور فوضى توزيع القوة في غياب التوافق السياسي والاجتماعي حول السلطة، فقد بدأ التيار معارضا عنيدا وصلبا للاحتلال، عارض مجلس الحكم الانتقالي بزعامة الحاكم العسكري بريمر، وهدد بإعلان الثورة الشعبية على الأميركيين وعارض الفدرالية، ثم دخل الانتخابات ودخل في الحكومة وخرج منها، وعاد يرفع شعارات متناقضة وارتكبت مليشيا ( جيش المهدي ) جرائم تقشعر لها الأبدان، ونسبت جرائم أخرى له هو بريء منها وطالما أعلن رفضه لها، ثانيا: شكل سلوك هذا التيار حالة دامغة على مدى التوظيف الإيراني للايدولوجيا الطائفية في الزج بالمزيد من التناقضات في الساحة العراقية ، بينما وفر دعم هذا الإطار التنظيمي بما يملكه من قوة تعبوية هائلة في التقليل من حدة التناقض بين السياسات الإيرانية الفعلية على الساحة العراقية منذ بدأ الاحتلال والسياسات الدعائية المعلنة التي طالما رفعت شعارات مقاومة الاحتلال والدعوة للتخلص منه، وثالثا: شكلت التناقضات الصدرية وفوضى المواقف بين المقاومة مرة والدخول في العملية السياسية مرة أخرى ولعب دور المعارضة مرة ثالثة ثم العودة للاقتتال الداخلي، رغبة القوى المهيمنة على المشهد العراقي في استمرار الوضع الراهن، لا يوجد إرادة حقيقية لا لدى دولة الاحتلال صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة، ولا لدى السلطات الإيرانية التي تحافظ على علاقات ولاء مع السلطة المحلية التي تمثلها الحكومات العراقية المتعاقبة واكبر قوة إقليمية ذات نفوذ في العراق، فهذه الأطراف لا يخدمها تراجع العنف وحتى انتهاء أعمال المقاومة، كما لا يخدمها تفاقم هذه الأعمال، ان مهمتها الحقيقية التي تبرر وجودها هي استمرار حد من العنف وإدارته.
وبالعودة الى العمليات العسكرية الجارية في هذا الوقت والحصار المفروض على حوالي ثلاثة ملايين عراقي في مدينة الصدر فإن إصرار الحكومة العراقية على التصعيد يرتبط أيضا بمواقف إيرانية جديدة من التيار الصدري سوف تتضح في الأيام القادمة إذا ما أخذت الأحداث في التصاعد على هذا النحو، فبينما يوافق التيار الصدري على نزع مشترك لأسلحة المليشيات وبعد إعلان زعيم التيار مقتدى الصدر الاعتزال والاعتكاف من اجل التعليم الديني، يبرز هذه المرة الإصرار على التصعيد كما هو واضحا في عملية اغتيال مدير مكتب الصدر وصهره.
في الخلاصة تلتقي مصالح الأطراف الفاعلة على ساحة العنف العراقي على استمرار حد من العنف يبقى تحت السيطرة، والوقائع تثبت هذا الاتجاه كل يوم.
بقلم: د.باسم الطويسي
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي العلوم الاجتماعية جريدة الغد