من حق بعض الإطراف ان لا تأخذ الجولة المكوكية للرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر في المنطقة على محمل الجد، أو ان تعتقد بنتائج منتظرة لها، إذا ما أخذنا بالاعتبار العملي ان الرجل تحرك في ساحة تعاني من فراغ سياسي على الأرض على الرغم من زخم الزيارات المتبادلة وازدحام العواصم بالحراك الدبلوماسي. وكل هذا لا يعبر عن شيء أكثر من الالتماع الشديد قبيل الانطفاء الذي سوف يغلق أبواب الشرق الأوسط بعد زيارة الرئيس الأميركي الشهر القادم الى نحو حلول الربيع من العام القادم، فالمنطقة بحاجة الى نمط آخر من السيولة السياسية والاستراتيجية التي لا تعبر عن عناوين واضحة للأحداث أو التفاعلات.
الإدراك المتبادل في السياسة علم وفن وخبرة تتطور مع التجارب والمراس، وهو أساس تقدير المواقف في التفاعلات الصراعية والتعاونية بين الدول والتنظيمات. ولقد عانت القضية الفلسطينية من سوء إدراك الفاعلين السياسيين العرب والفلسطينيين عبر مراحلها المختلفة، وليست حماس وحدها أول من أساء إدراك الظروف الدولية وإدراك الخصم بل وإدراك الآخر الفلسطيني، فلقد قدمت حركة التحرير الوطني "فتح" نماذج شهيرة في سوء الإدراك وتقدير الموقف، لكن ما قدمته حماس في تجربتها السياسية الأخيرة حالة نادرة جبّت ما قبلها في سوء تقدير الموقف رغم وضوحه، والخلط بين أدوات السياسة ومرجعياتها وبين ذهنية المقاومة وحدودها.
فلقد سبق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ان قادت الاتجاه المعاند لمبادرة روجرز في عهد عبدالناصر، وسارت فتح في الاتجاه نفسه أمام مبادرات السادات في أواخر السبعينيات، وإذا ما قيس إدراك حماس في الأيام الأخيرة، وقبولها بمبدأ التسوية النهائية بالاستناد الى الشرعية الديمقراطية التي يعبر عنها الشعب الفلسطيني فإن ذلك يحسب بداية استعادة الروح السياسية لحماس.
المشكلة حالياً؛ ان لا تتكرر حالة سوء الإدراك الداخلي في محددات وشروط الأطراف الفلسطينية المطروحة ومدى قدرتها على الالتقاء على الحد الادني من الاتفاق على برنامج وطني مشترك، ومدى انخراط هذه الأطراف في استراتيجية مشتركة ذات أهداف واحدة، ولا يكفي تبادل التصريحات التي تدغدغ مشاعر الرأي العام الفلسطيني الذي أرهقته في الشهور الأخيرة أحوال الحصار والاقتتال والنزاعات الداخلية. الأمر الذي يعني بوضوح ممارسة شفافية سياسية تضمن الحد الأدنى من احترام إرادة الشعب الفلسطيني قبل غيره. فلا عذر ولا ناقة ولا جمل لأحد على هذا الشعب، بعد ان اتيح لكل طرف الفرصة لطرح برامجه وممارسة السياسة من موقع السلطة، وتبقى ماذا لو؟ كبيرة، ثم ما قيمة قبول حماس بالتسوية وعدم الاستعداد الفعلي لدى الطرف الآخر.
وبالعودة إلى أعراض مرض سوء الإدراك الذي هيمن على المشهد الفلسطيني منذ الأيام الأولى للانتخابات التشريعية؛ نجد ان إسرائيل مضت في بلورة رؤيتها القائمة على الحسابات الدقيقة للخسائر والمكاسب، حيث أكدت منذ البداية انها لن تتعامل مع حكومة تشكلها حماس.
وبالفعل تشكلت مواقف دولية مسايرة للرؤية الإسرائيلية منذ قرار مجلس النواب الأميركي بوقف المساعدات الاميركية في حال فوز حماس، وموقف الاتحاد الأوروبي وموقف اللجنة الرباعية، وطورت هذه الرؤية من خلال ممارسة توظيف الموقف الدولي المعادي لحكومة حماس في المضي قدماً في فرض التسوية الاحادية.
هذه الرؤية اشترك فيها كل من ايهود اولمرت وعامير بيرتس وبنيامين نتنياهو صبيحة الانتخابات الفلسطينية وهم مثلث اقوى ثلاثة أحزاب في إسرائيل، بينما صرح رئيس المكتب السياسي لحماس في أكثر من مناسبة بان النزاع مع الاسرائيليين ليس دينياً، بل هو سياسي، ومنذ ذلك الوقت لم يمارس السياسة.
وللأسف كان الإدراك متواضعاً، ولم يرتقِ إلى مستوى حسابات حركات المقاومة في القرن العشرين التي لم تبنَ حساباتها على حسن نوايا الديمقراطية للدول الكبرى، ولا على الثقة المفرطة بالحسم بأدوات المعركة التقليدية.
الشارع العربي، والى حد ما النخب العربية، كانت تبدي في داخلها تعاطفاً وانحيازا مع حماس ليس حبا في نهجها، بل بسبب ما نالها من إحباط، بفعل سياسات فتح وما تورطت به من فساد سياسي ومالي وإداري وصراعات خلال عمر السلطة العتيدة، ولكن حكومة حماس حينما تباركت هي الأخرى بالصراعات جعلت هذه الجماهير وأولها الفلسطينية وجهها للحائط.
لم يبق لأحد عذر بالمطالبة بالحد الأدنى من إدراك حقائق العالم وابسطها. فهذا العالم لا يعترف إلا بالمصالح وبإدراك حدود الملعب وشروطه، وقبل ذلك أوقات اللعب، وان لا نذهب الى هناك في الوقت الذي ذهب فيه الآخرون الى الراحة، ونكتشف اننا نلعب وحدنا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد