في عمق الخطاب قد لا توجد تلك الفروق القابلة للاختبار على المحك بين خيارات حسن نصرالله ونوري المالكي وفؤاد السنيورة ومقتدى الصدر والعماد ميشيل عون وجنبلاط وحارث الضاري وحتى ايمن الظواهري وعشرات من رموز إدارة الصراع والأزمات في العالم العربي، لا توجد تلك الفروق في العمق في فقه المصالح أكثر من الخوف على الهوية والخوف منها، ما يجعل كل هذا الفراق في الخيارات وكأنه قطيعة اكبر من السياسة والايدولوجيا والحياة.
وبعيدا عن إرهاب الجدل الطويل حول تكوين الهوية ومقوماتها وأسبقية شرط على آخر، ودوائر الانتماء وعلاقات الداخل بالداخل وعلاقات الخارج بالداخل، والأفعال المشبوهة وهاجس المؤامرة، فان ستة عقود من تاريخ الاستقلال والصراع قد وفرت بيئات خصبة لمنطق صناعة الهويات وتضادها بأفعال إرادية وأخرى غير إرادية، مقابل صناعة تهميش الهويات وهندسة الإقصاء والمحو، ما جعل هذا الجزء من العالم الذي يعد أكثر مكان يعلو فيه الصراخ حول الهوية والحرص عليها هو أكثر مكان في العالم يعاني من عدم الاندماج والتكامل بين الحقائق السياسية والحقائق الاجتماعية، وينتج اعقد متوالية للصراع جوهرها الهوية.
في عمق الخطابات التي تنتجها التيارات والقوى والرموز التي تدير الأزمات والصراع تبدو الهوية المربع الأول الذي يفسر كل المربعات الأخرى، وفي العمق أيضا يبدو كم هي فكرة الدولة الوطنية مشوشة وغامضة في هذا الجزء من العالم ؛ حتى أصبحنا اليوم في ابعد نقطة عن الوصول إلى الدولة الوطنية الديمقراطية، فمنذ ستة عقود لم يكن مستقبل الدولة في العالم العربي بهذا الحجم من الغموض والارتهان إلى خيارات معظمها خارجية، والداخلية منها ابعد ما تكون عن نضوج فكرة الدولة في وعي المجتمع السياسي قبل العامة .
والمقصود الدولة الوطنية التي ينجزها عقد اجتماعي ناضج يحسم كل صراعات وتناقضات الكل الإجتماعي لمصلحة الدولة التي هي في المحصلة مصلحة الفرد، ومجموع مصالح الأفراد في المحصلة أيضا مصلحة الدولة ، لكن هذا التشاؤم لا يعني بأي شكل من الأشكال نهاية الأنماط السائدة من الدولة الوطنية في العالم العربي ، بل المتوقع أننا أمام مرحلة تحول قاسية وصعبة ستشهد آلاماً مضاعفة تنتهي بأشكال أخرى من التفتيت والاندماج والنزاعات الأهلية والاقتتال على القيم السياسية، وأشكال باهتة من السيادة، وصولاً إلى الصراع بين الوطنية والمواطنة.
كنا نتحدث حتى نهاية عقد التسعينيات عن التدخلات الأجنبية في المنطقة العربية وما يرتبط بها من نزاعات محلية ودورها في استمرار فجوة التخلف وتكريس ظاهرة "الدولة القطرية " التسلطية، إلا أن الصراعات الجديدة على مستقبل الشكل السائد من الدولة الوطنية خلال السنوات الأخيرة جاءت بمؤشرات أخرى دالة على عمق أزمة هذه الدولة واحتدامها وهي مؤشرات ذات الصلة بالعمق الاجتماعي الثقافي وهو الواقع الذي نتجاوزه عادة ولا نرغب الاعتراف به، الأمر الذي سهل تضاعف حجم التدخلات الصراعية الاجنبية وبروز ظاهرة التدخلات الصراعية الإقليمية بشكل فج وواضح ، وانفجار الصراعات الأهلية المتدحرجة في ستة مجتمعات عربية على أقل تقدير.
وقبل الإمعان في الاختلاف حول أولويات مصادر تهديد الدولة الوطنية بين التدخلات الأجنبية والأسباب الذاتية، التي جعلت الدولة السائدة تتصالح مع العصبيات الطائفية والسياسية بعد أن وصلت إلى طريق مسدود في نيل شرعيتها من مواطنيها. قبل ذلك يجب الاعتراف بالوقائع التي تشكل في هذا الوقت ملامح الدولة الوطنية ومستقبلها، يجب الاعتراف بكذبة السيادة وبأساطير الشرعيات الواهمة، الاعتراف بدون مواربة وبصراحة بالنزاعات الأهلية والاعتراف بالأزمات المزمنة في عدم الاندماج الاجتماعي وفي ضعف التكامل السياسي وبفشل التنمية الرأسمالية التي قادتها الدولة الوطنية في الوقت نفسه الاعتراف بضرورة تنمية رأسمالية جديدة.
من الواضح ان أزمة الأقليات في العالم العربي قد اشتدت منذ مطلع التسعينيات مع الموجة الديمقراطية الجديدة التي كادت ان تلمس أطراف جسد المنطقة، لذا توالت الأزمات من الامازيغ في المغرب العربي والأوضاع الساخنة دوما في السودان الى الأقباط في مصر الى الأكراد في سورية الى الشيعة في الخليج العربي وصولا الى الأوضاع في العراق، وهي أزمات تحمل مضامين دينية وطائفية وعرقية ولغوية، وتعبر أولا عن فشل النظم العربية ومجتمعاتها في خلق الاندماج الاجتماعي وتدشين الحدود الدنيا لممارسة المواطنة بين مختلف فئات مواطنيها، وتعبر ثانيا عن انكسار الهوية الاندماجية التي حاولت بعض النظم فرضها بهيمنة احد مكونات الثقافة المحلية على بقية الثقافات الفرعية، وثالثا تعبر هذه الأحداث عن وجود أقليات مستكينة تُغلب الشعور بالذات العميقة على الشخصية الوطنية، وهي اقل استعدادا للاندماج مع مجتمعها والتكامل مع دولتها.
ولدت هذه البنية المحلية غير المكتملة في علاقة الأفراد والجماعات بالدولة حالة احتقان متشعبة الأبعاد والأطراف، وكما يتم تحريك أحزاب وتنظيمات سياسية وجمعيات أهلية من قبل أطراف خارجية، تُحرك بعض الأقليات والجماعات المدنية من الخارج أحيانا، وكما تتصرف بعض فئات المجتمع بذهنية الأقلية التي لا تكف عن القول بالظلم والاضطهاد والإقصاء والتميز، تتصرف أطراف أخرى في المجتمع بذهنية غلبة الأكثرية، المشكلة حينما تكون الديمقراطية وما تعنيه من مشاركة شعبية هي الأداة الوحيدة التي تكفل تفريغ هذا الاحتقان، وتضمن تدشين أسس متينة لاندماج اجتماعي تقف هي نفسها أي الديمقراطية عاجزة عن التقدم لأنها تتحول أداة لصناعة المزيد من عمى الهويات، هذا العمى سيؤرخ لتاريخ هذه المرحلة، ولأنه عمى في البصر والبصيرة ستدفع هذه المجتمعات الثمن غاليا والمزيد من الآلام حتى تدرك هذا الواقع.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد