أخذت أزمة بيع أراضي الدولة التي اشتعلت خلال الأسابيع الماضية، وامتدت نحو الخيارات الاقتصادية والاجتماعية الوطنية وتداعياتها في التراجع من أولويات الخطاب الإعلامي والسياسي المحلي، وكما بدأت هذه الأزمة بحالة من الغموض سوف تتراجع خلال الأيام القادمة -كما يبدو- في هذا الوقت بالغموض ذاته نحو حلول توقيتية هنا وحلول محسومة مسبقا هناك.
احتلت الأزمة في إطارها الزمني المحدود المجال العام على محورين هما السياسي والإعلامي ورغم الإحالة الواسعة التي أفضت بالأزمة بأكملها في خانة غياب الشفافية، فإن الغائب الأكبر والذي لم يجد الوضوح هو الأخر، ولم يجد النصيب الكافي من التحليل والنقاش تمثل في غياب القيم السياسية الكبرى لدى طرفي الأزمة أو ما اصطلح على تسميته التيار المحافظ والتيار الليبرالي مع التحفظ على إطلاق المسمى على الطرفين، وعلى المحور الإعلامي كان الغائب الكبير المهنية الإعلامية في ابسط ملامحها ومعاييرها في مضامين الخطاب الإعلامي وأساليبه الذي أدار من خلالهما الأزمة ووجه الرأي العام وشطره إلى فريقين.
تستحق أزمة بهذا الحجم وبهذه المضامين الحادة مراجعة جريئة، وهي حالة درامية يمكن التعلم منها والاستفادة منها في مجالات عدة؛ كيف تخلق الأزمات وكيف تدار، وما هي القوى الفاعلة وما هي مرجعياتها، وكيف يعمل تنازع  الخطابات غير المحترفة في إعاقة وصول الرأي العام إلى جوهر الصراع. فالحقيقة ربما تكون خارج النص المألوف، ولا تمت بصلة للعناوين الشائعة.
في المجال السياسي بدأت التفاعلات تعبر عن احتقان مزمن متبادل, وكان من الواضح ضعف قدرات الأطراف المتفاعلة المؤيدة والمعارضة والتوفيقية في تقديم تعريف للمصالح الوطنية يقنع الرأي العام أو يؤثر به. فالأوطان بالفعل لا تدار كالشركات ولا تدار أيضا بالاحتقان وبالمشاعر الحادة أو الباردة.
وتعبر هذه الحالة، وهي بالمناسبة ليست وليدة هذه الأزمة أو هذه المرحلة، عن عجز المجتمع السياسي الأردني بمختلف تياراته، وعدم قدرته على بلورة قيم سياسية كبرى، وهذا ما يفسر عدم انتقال النقاش من وسط النخبة السياسية الأولى إلى مستويات أوسع من القواعد الشعبية التي تمارس مستويات أخرى في التعبير عن هذه الأزمة وعن أحوالها الاجتماعية والاقتصادية الطاحنة.
أزمة القيم السياسية ممتدة من الحقائق إلى المعايير السياسية التي توضح حدود المصالح الوطنية وحدود المناورة ومجالاتها؛ وهي في الواقع حبل السرة والأساس والحالة المفسرة للإجابة عن السؤال الذي أطلقه جل المجتمع الأردني واختصره بكلمتين: اننا حائرون؛ فأقسى ما تكون الحيرة حينما تصيب كبد الخيارات المصيرية؛ والأكثر قسوة من كل ذلك حينما يعجز المجتمع السياسي عن تقديم التعريف المقنع للرأي العام عن مفهومه للمصالح الوطنية.
الغائب الآخر في هذه الأزمة ينال المجال الإعلامي الذي أدار الصفحة الأولى من الأزمة التي اعتاد الرأي العام على رؤيتها. المؤسف ان من أدار هذا الخطاب هي الدعاية السياسية والاجتماعية، وغاب الإعلام. لم تكن المشكلة في حجم الحريات الإعلامية المتاحة بالدرجة الأولى؛ بل بالمهنية الإعلامية التي من المفترض ان تختبر في ظروف وأزمات من هذا النوع، وان تمارس دورها في حماية الرأي العام، وتمكين الناس من الحقيقة، وإتاحة المجال أمام اكبر قدر من التعدد الحقيقي وليس مجرد الترقيع، لم نشهد تحليلات معمقة أو قصصا أو تحقيقات فيها بحث وتقص وتحريللحقيقة. أكثر ما مارسه الإعلام الضجيج عبر تكرار نبرات الخطابات المتنازعة وغابت مسؤوليته الاجتماعية وحسه النقدي، لقد مارس دور مكبرات الصوت بكل مهارة.
بدا الإعلام في هذه الأزمة مربكا وغير مبادر وغير مقنع، واكتفى كالعادة بتعليق ضعف مهنيته على هامش الحريات وقصة الشفافية الشهيرة، ودار بين الفعل وردود الفعل دون نتيجة.
القوة هي روح الدولة الحقيقية رغم ما يحمله هذا المفهـوم من وقع مادي. فالثقافة السياسية التي دشنت مشاريع القوة في التاريخ هي التي قامت على تنشئة مواطني الدولة على قيم محسومة حول الذات والهوية والمصير والثقة الواعية بالمستقبل، ورسخت قدرة الدولة والمجتمع على إنتاج القيم الكبرى التي يتفق عليها الجميع والتي لا تقبل المساومة والاختلاف. فالثقافـة السياسيـة العاجزة والضعيفـة التي تعمل على إعاقة التنميـة والإصلاح أول ما تعانيه افتقادها الاتفاق حول القيم الكبرى في الحياة السياسية.
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد