على الرغم من ان العدوانية الإسرائيلية لم تتوقف منذ نشأة هذا الكيان، إلا ان العالم الذي بقي يصم آذانه عن سماع الحقيقة هو اليوم أمام واحدة من سلالات العدوانية المتكررة التي تنسف فكرة التعايش من أساسها؛ انه تطور خطير يجب على العالم المتحضر مراقبته؛ فالعالم ليس كله الولايات المتحدة وإسرائيل.
فالسلالة العدوانية المتجددة تطرح بقوة إجابة واحدة دون دبلوماسية ولا قشور سياسية على أسئلة عديدة طالما تكررت خلال السنوات الأخيرة، وتبدو اليوم في الأفق المغلق الذي يروج للحل الإسرائيلي بصيغة شبه الدولة المؤقتة، والتي تقضي بضم وإلحاق 12% من الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وفرض السيطرة الأمنية الإسرائيلية على20% على ما يتبقى من أراضي الضفة على امتداد شريط وادي الأردن وصولا إلى شاطئ البحر الميت، ثم إغلاق ملف حق العودة واستبداله بصيغة الكيان القابل للتفريغ.
بمعنى حل الدولة الميتة المقطعة الأوصال والتي تسمى على الخرائط المؤقتة بالدولة الفلسطينية، وهو الحل الذي سيرفضه الفلسطينيون حتما، ثم تعود الأحداث من حيث بدأت إلى دائرة المقاومة والعنف المتبادل الذي سيمنح شرعية أكثر لمواجهات لا احد يستطيع توقع آفاقها أو نتائجها وربما امتداداتها أيضا.
انها السلالة العدوانية التي تتوالد حتى باسم السلام والتسوية، ثمة تصميم على التوالد العدواني إلى حد أسطورة المسادا التي ذكرنا بها الرئيس بوش في خطابه الأخير في الكنيست الإسرائيلي؛ وهي الوصفة المعرفية التي تعفي العالم الذي لا يدري من البحث عن جذور الإرهاب ومصادر الكراهية وأسرار كل هذه النقمة والمشاعر المتجددة بالإحباط.
تخرج المنطقة من غيبوبة الإغراق بوعود التسوية والحل القادم التي أغرقت العالم منذ احتلال العراق بفائض من الأمنيات، بعد كل ما حدث، وبعد المواقف الاميركية الفارقة لا يحق للولايات المتحدة ان تسأل عما تسميه جذور الإرهاب، وعلينا نحن ان نكف عن المداراة والبحث عن أسباب خارج الحقيقة والتاريخ، فالإجابة واحدة ما دامت السلالات العدوانية قادرة على التوالد.
الشارع العربي اليوم يعيد تعريف العدو مجدداً، ثمة ناقوس خطر يدق بقوة إذا بقي في العالم من يسمع غير صوته، وثمة مراجعة خطيرة تنال وجدان الناس وعقولهم ووعيهم بعد مرحلة العراق وغزة ولبنان إذا لم يتغير العالم بالفعل هذه المرة؛ حينما قيل أن أحد مفاتيح الإرهاب المنسوب إلى العالمين العربي والإسلامي مرده إلى الظلم التاريخي الذي تعرضت له هذه الشعوب. لا يعني ذلك تبرير الإرهاب وإيجاد أيديولوجيا تسويغ مضادة، وحينما نتحدث عن الظلم التاريخي نسحب خيطاً من سجادة معقدة ومتشابكة، تتداخل فيها أشكال وأنماط متعددة للظلم وضياع العدالة؛ أهمها وأولها وجذرها الظلم السياسي الذي لحق بهذه الشعوب والذي يختصر في القضية الفلسطينية وتداعياتها وامتداداتها التاريخية بأبعادها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
لنتصور المشهد التاريخي في العالمين العربي الإسلامي لو حلت القضية الفلسطينية بأدنى شروط العدالة منذ عقود؛ هل كان العالم بحاجة لكل هذا العنف والتضحيات؟ وهل كان من الممكن أن يتناوب الجنرالات والحكم الفاسد في العواصم العربية؟ وهل ستحتل أفغانستان العراق وتدخل لبنان هذه الفوضى وتحاصر سورية ويظهر نظام الملالي في إيران، وهل كان من الممكن ان تهدر الإمكانيات الاقتصادية باسم جيوش التحرير وميزانيات الدفاع، وفي مرة أخرى باسم التنمية غير الآمنة؛ ما خلق مجتمعات العشوائيات البشرية التي تعج بالفقر والجهل والعوز وكل أشكال العلل الإنسانية، والتي وصل إلى مسامعها مؤخراً حجم التخلف الذي لحق بها، فالأجيال الجديدة التي تحيا مشهد الإحباط والتأخر وتلمس حجم الظلم التاريخي الذي لحق بها ربما لا تربطه بالصراع العربي الإسرائيلي مباشرة، وما يعنيه من أنماط العلاقات الظالمة التي امتدت أكثر من ستين عاماً ودفعت أجيال من المجتمعات العربية ثمنها. لكنها، أي هذه الأجيال، تحيا نتائج تلك الوقائع وقادرة للتعبير عنا بكل الوسائل.
ولعل هذا الشعور بالظلم السياسي المتراكم تاريخياً تحول بالفعل إلى ثقافة مضادة أخذت مع الزمن تبتعد عن مصادرها الأولى وترتبط بأشكال مفزعة من الوعي المفارق والإحباط الذي يدفع للتضحية بكل شيء، وفي الجهة الأخرى تتوالد سلالات من العدوانية لا تعبر عن ذاتها بالعنف المباشر وحسب، بل وفي السياسة وفي خطابات التسوية والبحث عن السلام.
السلالة العدوانية ستبقى تتوالد ما دام العالم يرفض اكتشاف الجينات الحقيقية للعدوانية والعنف، ألا تحتاج إسرائيل هي الأخرى لبرامج إصلاح حقيقي بعد ان بصم العرب بأصابع أيديهم العشر بحقها بالوجود بمن فيهم المنظمات الراديكالية، ألا يحتاج سلوك الدولة الإسرائيلية إلى إصلاح جذري يتفق مع الحقائق الراهنة، ألا يحق للعرب مطالبة العالم بتخلي إسرائيل الرسمية عن الفكر الصهيوني وإعلانها نبذ العنصرية، ولماذا تراجعت الموجة الصغيرة لما سمي (ما بعد الصهيونية)، ألا تحتاج مؤسسات التنشئـة الاجتماعيـة والمناهج التعليمية الإسرائيلية إلى مراجعة جذرية على غرار ما يقوم به العرب في هذا الوقت.
مشروع الدولة الميتة الذي تطرحه إسرائيل هو سلوك عدواني يمارس باسم التسوية والسلام تطرحه نخبة هي ابعد ما تكون عن فهم فكرة التعايش.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد